رائد سعيد الكرمي من مواليد محافظة طولكرم عام 1972م، فقد والدته وهو في سن السابعة من عمره، تربى في أكناف زوجة أبيه التي كانت له بمثابة الأم الحنون، لم يدرك رائد الكرمي أن دولاب الزمان الذي لا يتوقف عن الدوران سيقوده إلى زمان آخر، لتصبح قوةُ شجاعتهِ مدار حديث الكبار والصغار في أنحاء فلسطين.
كان رائد الكرمي إنساناً بسيطاً متواضعاً، ولم يكن من أصحاب التعليم العالي حيث لم يكمل تعليمه الإعدادي، ليبدأ مسيرة حياة شاقة كان لها الأثر في صياغة وبلورة شخصيته الوطنية فيما بعد.
عُرِفَ بِوَطَنِيَّتِهِ منذ نعومة أظافره ومَرَّ في كافَّةِ المراحل المرتبطةِ بالنضال الوطني الفلسطيني.
عاصر رائد الكرمي الانتفاضة المباركة الأولى عام 1987م وكان عمره آنذاك خمسة عشر عاماً، مروراً بسنوات الاعتقال التي تعرض لها من قبل الجيش الإسرائيلي.
عندما أصبح عمْرُ رائد ثمانية عشر عاماً أصيب برصاصاتٍ قاتلةٍ في صدره ويديه، وذلك خلال مشاركته في المظاهرات إلَّا أن إرادة الله كانت غالبةً لتعود الحياة إلى رائد من جديد.
حينها قام الجيش الإسرائيلي باختطاف رائد الكرمي خلال وجوده تحت العلاج في المستشفى بينما جروحه ما تزال تنزف وحولوه إلى التحقيق في زنازين الاعتقال واستمر في غرف التحقيق لمدة واحدٍ وعشرينَ يوماً تم شبحه خلالها من يديه وبقي معلقاً بين الحياة والموت إلى أنْ حُكِمَ عليه بالسجن أربع سنواتٍ ونصف وذلك عام 1991م.
خلال وجوده في السجن صُنِعَتْ شخصِيَّتُهُ القوية، حيث تعمَّدَ المحققون الإسرائيليون إذلاله، لكنه كان شامخاً كالطور، وزرع الإصرار والتصميم في داخله.
تم الإفراج عن رائد الكرمي عام 1995م ليبدأ حياة جديدة، فقام بزيارة الأردن وهناك ارتبط مع ابنةِ خالِهِ (ليندا) وعادا إلى أرض الوطن ليَكتُبَ لها القدر أن تكون الأقْربَ الَّتي ستشارِكُهُ ما هُوَ آت.
بعد إطلاق سراحه من المعتقل انضم رائد سعيد الكرمي إلى الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية.
لقد كان لدخول شارون ساحات المسجد الأقصى بتاريخ 28/9/2000م نقطة تحول جذرية أعادت رائد الكرمي إلى أحضان المقاومة.
بعد عملية اغتيال مسؤول حركة فتح الأول في محافظة طولكرم الدكتور/ ثابت ثابت بتاريخ 21/12/2000م والشهيد/ معتز السروجي والشهيد/ طارق القطو، انتقل رائد الكرمي من الأجهزة الأمنية إلى العنوان الأبرز في مدينة الصمود، واستطاع تشكيل مجموعات (ثابت ثابت) ومن ثم قام بتشكيل خلايا صغيرة أطلق عليها (كتائب شهداء الأقصى) والتي كانت لِعَمَلِيّاتِها السَّريعةِ في الرَّد على عمليات الاغتيال من قبل الجيش الإسرائيلي أثراً كبيراً على الكيان الصهيوني.
تصدر رائد الكرمي قائمةَ المطلوبين من قبل الجيش الإسرائيليِّ وذلك بتهمة قتل عدد من الإسرائيليين في منطقة طولكرم وجرح عدد كبير منهم.
تعرض رائد الكرمي للعديد من عمليات الاغتيال من قِبَلِ الجيش الإسرائيلي، و منها عندما اقتحمت دبابات الجيش الإسرائيليِّ مخيم نور شمس حيث توجه بسيارةٍ مع صديقاه إلّا انهم تعرضوا لإطلاق صواريخ على سيارتهم من طائرة الأباتشي قرب مخيم طولكرم في شهر سبتمبر 2001م، و من ثم محاولةِ قتله من قبل قوةٍ خاصةٍ إسرائيلية، وثالثةٍ كانت محاولةُ استهدافه عبر تسريب رصاصة ملغومة له انفجرت حينما وضعها في رشاش إم16، الذي كان يحمله.
رائد الكرمي كان الشرارة للانتفاضة حيث تحول إلى العنوان الأبرز في محافظة طولكرم، واعتز به أطفال وشباب مخيم طولكرم ونور شمس واحترمته الأجهزة الأمنية، وكانتْ محاولاتُ الجيشِ الإسرائيلي والشاباك للنَّيْلِ منهُ ذهبتْ أدراجَ الرياح.
عملية الاغتيال، حيثُ كان رائد الكرمي يسير محاذياً للجُدرانِ تفادياً لحركة المروحيات فأعدَّ لهُ جهاز الشاباك الإسرائيلي بعد الحصول على معلوماتٍ دقيقةٍ ومؤكدةٍ عبوةً ناسفةً مخْفِيَّةً في جُدرانِ المقبرة التي كان يسير بجانبها وتمَّ تفجير العبوة مباشرةً عند مروره في المكان فاستُشْهِدَ على الفور، هكذا اغتالت إسرائيلُ مسؤولَ كتائبِ شهداءِ الأقصى في طولكرم الشهيد البطل/ رائد سعيد الكرمي حيث قضى بعد أن عجزتْ كافَّةُ المحاولات التي تعرض لها للنَّيْلِ منْهُ واغتيالهِ وذلك بتاريخ 14/1/2002م.
استشهد البطل/ رائد الكرمي وانتقل الى العلياء مع الصِدِّيقينَ والشهداء، إلّا أنَّ استشهاده لم يمنع المقاومون من بدأ العمليات الاستشهادية ومتابعتها حيث بدأ لهيب الانتفاضة يكبر.
رائد الكرمي الذي ولَّى شهيداً ترك خلفَهُ قطاراً يسير، حيث لم تتوقَّفِ المقاومة من بعده، بل زادتْ أضعافاً، وربما يواصل طفل رائد الصغير الذي أنجبته والدته عقب استشهاد والده مسيرة المقاومة حيث سُمِّيَ هذا الطفل باسم والده (رائد رائد سعيد الكرمي).
رائد سعيد الكرمي ابن فلسطين، ابن محافظة طولكرم، ومن أبرز القادة المؤَسِّسين لكتائب شهداء الأقصى في المحافظات الشمالية.
لُفَّ جثمان الشهيد رائد الكرمي بعلم فلسطين وحُمِلَ على الأكتاف إلى مثواه الأخير، بكَتْهُ فِلَسْطينُ وبكاهُ الآلافُ من الأهلِ والأحبابِ والأصدقاء.
رحم الله الشهيد البطل/ رائد سعيد الكرمي واسكنه فسيح جناته.














