تُطلُ علينا ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية الخالدة الثالثة والخمسين؛ تلك الثورة التي انطلقت من رحم معاناة الكل الفلسطيني بعد الهجرة القسرية من المدن والقري الفلسطينية عام 1948م وملاقاة شتى ألوان العذابات من القتل والتشريد والتدمير للحجر والشجر والبشر من ترسانة الاحتلال الصهيوني، مروراً بعام 1956 م والعدوان الثلاثي على مصر وصولاً لعام 1965 م، حيث انطلقت هذه الثورة لتُعيد للعرب أمجادهم، وتُؤكد على فدائية الفلسطيني المقاوم منذ صدر التاريخ، فكانت هذه الثورة بمثابة نقطة التحول في الصراع العربي الاسرائيلي بالمنطقة العربية وخارجها.
ومما لا يدعُ مجالاً للشك فإن عمليات الثورة المنقوشة بحروف من نور وبدماء شهدائنا الأبطال في كتب التاريخ لتؤكد أن بوصلة هذه الثورة ووجهتها هي بوصلة شريفة مناضلة يفتخر بها الجميع ويلتزم بها الجميع من أجل الدفاع عن الأرض والعرض، واستعادة الأرض الفلسطينية المغتصبة من تحت براثن الاحتلال الغاشم.
لقد جاءت الثورة الفلسطينية وارهاصاتها التي بدأت منذ عام25/2/1955م بعملية خزان زوهر حيث قام بها الشهيد/ أبو جهاد قبل تأسيس الحركة.
في عام 1958 م اجتمع قادة عظام لنا وهم : الشهيد/ أبو عمار والشهيد/ أبو جهاد وعبدالله الدنان وعادل عبد الكريم وتوفيق شديد ويوسف عميرة، اجتمع هؤلاء الرجال ليُصيغوا لنا هيكل البناء الثوري وبيان الحركة الأول واتفقوا على اسم "فتح" مُعلنين انطلاقة الثورة في عام 1965 م "ببسم الله بسم الفتح، اتكالاً منا على الله" جاء ذلك بعملٍ فدائي مميز "عملية نفق عيلبون" في ليلة الفاتح من يناير لعام 1965 م والذي استشهد فيها الشهيد / أحمد موسى وأسْر القائد / أبو بكر حجازي .
جاءت هذه الفكرة وانطلاقتها لتؤكد بأن الفدائية الفلسطينية بدأت مشوار العمل العسكري المنظم تجاه العدو واستهدافه في أي مكان يذكر فيه .
بعدها التحق بهم مجموعة أخرى من القادة " محمود عباس وأبو ماهر غنيم و سليم الزعنون وعبد الفتاح حمود وماجد أبو شرار وأحمد قريع وفاروق القدومي وخالد الحسن وهايل عبد الحميد وهاني الحسن وكمال عدوان وزهير العلمي ومحمد يوسف النجار وصلاح خلف وأبو علي اياد وممدوح صيدم ورفيق النتشة، والكثير الكثير من قادة الثورة منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.
فكانت معركة الكرامة عام 1968 م والتي جاءت بعد حرب الأيام الستة عام 1967 م لترفع المعنوية الفدائية العربية وتعيد الثقة للامة العربية والاسلامية جمعاء، وعملية مطار ميونخ 5/9/1972م، واختطاف الفريق الرياضي الإسرائيلي بالأولمبياد وتفجير الطائرة بهم وقتلهم واستشهد أفراد المجموعة بعد قتل كل الفريق وطاقم التدريب .
لقد جاءت هذه العمليات الاستشهادية المتعددة النوعية والتي نُقشت بدماء شهداء وجرحى الثورة الفلسطينية المجيدة، لتؤكد على الفكر الثوري لحركة فتح ونهجها القتالي المسلح ممثلاً بقوات العاصفة.
بعدها وعلى الصعيد السياسي، استطاعت (فتح) ومن خلال قيادتها لـِ م.ت.ف أن تقود معركة سياسية هائلة ومنظمة، معركة الأمم المتحدة عام 1974م، والخطاب التاريخي الشهير للثائر/ياسر عرفات وجملته المشهورة" لقد جئتكم يا سيادة الرئيس بغصن الزيتون في يدي وبندقية الثائر في اليد الأخرى فلا تُسقطوا الغُصنَ الأخضر من يدي"
وبذلك فقد أرسى الشهيد أبو عمار قواعد المقاومة ومشروع الدولة بهدف الوصول للوطن فلسطين.
عملية الثلاجة في القدس عام 1975م بتنفيذ المناضل الثائر/أحمد أبو السكر، وكذلك عملية فندق سافوي 7/4/1975م، وغيرها من العمليات التي قام بها بعض الشباب الفدائيين، والذين فما بعد أصبحوا قادة الثورة لتُعلن أن الفلسطيني لن ولم ينسَ أرضه ووطنه وسيدافع عنها بكل قوته من داخل الوطن المحتل ومن خارجه بكافة الوسائل المشروعة التي توصله لطريق التحرير.
عملية دلال المغربي "الساحل " عام 1978 م حيث كانت في قلت الوطن المغتصب واثبت الفدائي الفلسطيني بانه المعركة الحصينة في ارضه وعلى أرضه ستكون حيث كان لها الأثر المعنوي الكبير على نفوس مقاتلي الثورة الخالدة وقد تحقق الهدف منها بفضل الله أولاً ثم بفضل قادتها ومنفذيها العظام .
بعدها اشتد عضد الثورة وأصبحت الرقم الصعب في منطقة الشرق الأوسط ، في بداية الثمانينات بدأت حركة فتح عملياتها داخل الأرض المحتلة، من خلال جناحها المسلح( القطاع الغربي) بقيادة الشهيد/ خليل الوزير ومن خلال حركة الشبيبة الفتحاوية . .
وصولاً لملحمة بيروت عام 1982م، والصمود 88 يوماً ، بعدها كان لابد من نقل الصداع القتالي والفدائي للوطن فجاءت الانتفاضة المباركة الأولى عام 1987 م لتعلن العالم أجمع بان الثورة الفلسطينية مازالت متوجهة ومستمرة بداخل الوطن وخارجه فكانت الحجارة هي السلاح المقاوم والتي ألهبت جذوة النضال فانطلقت شعلة الانتفاضة الأولى معلنة بأن لا تراجع عن دحر الاحتلال وتحرير الأرض والمقدسات من دنسه .
حتى جاء إعلان( وثيقة الاستقلال) في المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشر في الجزائر 1988، الوثيقة التي نسجتها دماء الانتفاضة ودم الشهيد أبو جهاد
لتُرسل رسالةً للعالم أجمع بأن الدولة الفلسطينية قادمةٌ لا محالة.
وهُنا كان الاعداد والتجهيز لعملية تفجير مفاعل ديمونا 7/3/1988م، على أثرها جاء اغتيال واستشهاد القائد/أبو جهاد بتاريخ16/4/1988م، حيث كان لاغتياله أثراً وواقعاً أليماً على الثورة وقائدها ياسر عرفات رحمهم الله.
من وجهة نظري فان الثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965 م جاءت لتؤكد على ما يلي :-
أولاً : قد استطاعت تفجير ثورة وطنية مسلحة لتوحيد العمل الفدائي وتنظيمه بشكل يتيح للجميع بالعمل ضمن منظومة الدفاع عن الأرض والمقدسات وتحريرها بكل الوسائل المشروعة .
ثانيا: جاءت الثورة لتكون رافعة للأمة العربية والإسلامية في تشكيل جبهة قتالية "فدائية" فلسطينية بوصلتها تجاه الوطن فلسطين والقدس العاصمة .
ثالثا: برز دور القيادة الوطنية الفلسطينية على الساحة الدولية والعربية والاقليمية ممثلة بالشهيد/ ياسر عرفات ورفاقه ومن كافة التنظيمات الفلسطينية على الساحة آنذاك كونهم قادة الثورة ومفجروها الأوائل والذين كانوا تحت اطار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني .
رابعاً: حققت أهدافها، وأقامت دولة الشعب الفلسطيني ، وأعادت وضع فلسطين على الخريطة الجغرافية السياسية الدولية، وثبتت للفلسطينيين دولةً يفخرون بها .
هذا هو المشوار الذي بدأته( فتح ) منذ عام 1955م ، والذي مهدت له بسنوات أليمة وقاسية، والذي دفعت فيه ثمناً باهضاً هي وكافة تنظيماتنا الفلسطينية وشعبنا العظيم، حيث قدمت فتح والجميع عشرات الألوف من الشهداء والجرحى والمعاقين والأسرى والتشرد عبر كل مرحلةٍ من هذه الدولة لتلك الدولة عبر محطات عديدة.
بدأت التحليق في سماء الكون بمحطة القدس وانطلقت منها ثم غزة ، فالقاهرة والكويت، والجزائر حيث كانت المحطة الجزائرية الحضن الدافئ لـ(فتح) وقادتها الشامخين، ثم سوريا والأردن ولبنان ومرحلة الاعتراف العربي والدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد لشعبنا الفلسطيني، ثم تونس الخضراء، لتحط( فتح) رحالها على أرض الوطن، ولتخوض معاركها المصيرية من داخله مؤكدةً على الاستقلال وتحرير الأرض والمقدسات، وعودة اللاجئين إلى أرضهم، والافراج عن الأسرى من سجون الاحتلال الغاشم، محافظةً بذلك على الحلم الفلسطيني بإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.
وأخيراً حمى الله فتح وقادتها ورجالها الميامين.
رحم الله الشهداء كافة
وشفى الله الجرحى وفك الله قيد الأسرى.
عشتم ودامت ثورتنا الفلسطينية الخالدة.














