لم يخرج ياسر عرفات من عشيرة أو قبيلة،ولا من طبقة برجوازية أو ارستقراطية،ولم تدفعه الى الظهور منطقة جهوية ،ولا دفعه الى الظهور حزب سياسي ،ولم تصنعه قوى تصنع القيادات في لعبة الأمم،وإنما خرج من صفوف البسطاء والفقراء والكادحين والذين شرّدهم الاحتلال والقى بهم في المنافي والشتات.
في ذلك الزمن الذي شبّ فيه وترعرع كان فتى عاديا،يتحلى بالوطنية مثل غيره من الشباب الفلسطيني الذي خرج من جرح النكبة،لكنه كان مبادرا يفكّر بالطريقة نفسها التي يفكّر بها العديد من الشباب الطليعي الذي يسكنه حب وطن ضائع،وشعب مشرد.
كان فتى عاديا حين بادر الى دعم الثوار وجمع السلاح لهم ابّان حرب عام 1948، وكان فتى عاديا حين ذهب للتدريب ورافق المقاومين المصريين عام 1952على جبهة قناة السويس،وكان فتى عاديا عندما بادر الى خوض انتخابات رابطة طلبة فلسطين في القاهرة .
في الرابطة التقى برفاق يشبهونه،ويحملون حب فلسطين جمرة لا تنطفىء في وجدانهم .
كان رفاقه في الرابطة شبان حالمون،خرجوا من صفوف الفقراء والبسطاء ،يبحثون عما يمكن فعله لحماية الهوية الفلسطينية،
ومساعدة زملائهم الفقراء في تسديد أقساط الجامعات ،والاحتفال بالمناسبات الوطنية،ومد الصلات مع الطلبة العرب.
كانوا طلبة عاديين،ولكنهم مبادرون،وناشطون،وقادرون على بلورة الفكرة،وعلى إعلاء اسم فلسطين في التجمعات والاتحادات الطلابية العربية والعالمية.
من هنا نضجت تجربة الفتى العادي الذي سيصبح غير عادي وهو يغذ السير نحو الفكرة.
ومن هنا نضجت تجارب رفاقه العاديين الذين سيرافقونه ويصبحون غير عاديين.
اتسع دور الرابطة في وقت خلت فيه الساحة من التمثيل السياسي لفلسطين،وصارت مرجعية وطنية لآلاف الطلبة الفلسطينيين في جامعات العالم،وكانت الرابطة التشكيل الوطني المعترف به للهوية الفلسطينية.
ياسر عرفات كان مفردا بصيغة الجمع،لذا تبوأ الموقع القيادي في رابطة الطلاب،وعندما أنهى دراسته ولم يعد طالبا،دفعه طموحه القيادي الى تأسيس رابطة للخريجين.
استقطبت الرابطة طلبة ينتمون الى أحزاب قومية وإسلامية
وأممية ،والى طلبة مستقلين،فكانت الرابطة أول جبهة وطنية توحد مختلف التيارات والتوجهات،لكن ياسر عرفات كان فلسطينيا مستقلا يطمح الى تشكيل قوة فلسطينية تعيد إحياء الوطنية الفلسطينية وتختلف عن الأحزاب القومية أو الإسلامية أو الأممية التي في لم يكن في أولوياتها الانخراط الفوري في تحرير فلسطين.
تعلّم ياسر عرفات واكتسب خبرة ومعرفة ،ونضجت الفكرة في أعماقه من خلال الممارسة،ومن هنا أصبحت الطريق التي سيسلكها شديدة الوضوح،وهي البحث عن سر القوة.
كانت مرحلة النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي تشهد نهوضا قوميا،فالمد الناصري يتصاعد،والثورة الجزائرية تعلن الكفاح المسلح،وحركات التحرر في آسيا وافريقيا تحقق انتصارات، والشعب الفلسطيني في أماكن تواجده كافة متعطش لامتلاك سر القوة،وانتزاع زمام المبادرة. . إذ ذاك توفرت الظروف التي ستطلق الوطنية الفلسطينية من عقالها.
عندما انفتحت أبواب الخليج،توزعت النخب الفلسطينية على دول الخليج للعمل،وساهمت الظروف في تشكيل بؤر وخلايا فلسطينية تطلق على تشكيلاتها أسماء تنظيم أو جبهة تسعى لتحرير فلسطين،لكنها كانت في الواقع ليس أكثر من نوايا طيبة لمجموعات حالمة تجتمع في غرف مغلقة.
التقى العادي ياسر عرفات بالعادي خليل الوزير في الكويت في النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي،كانت الفكرة قد نضجت،فلكل منهما تجربة يعتدّ بها،ياسر عرفات في الرابطة،وخليل الوزير تجربة وممارسة ميدانية،فهو الذي أسس مجموعة فدائية عام 1954 وهو طالب في الثانوية مع رفيقية محمد الافرنجي وحمد العايدي،قامت بعمليات فدائية على الشريط المحاذي لقطاع غزة،وانتهت عندما اكتشفتها الإدارة العسكرية المصرية،وأدت الى اعتقال خليل الوزير ثمّ نفيه الى الإسكندرية.
التقت أفكار الرجلين اللذين كانا مفتونين بتجربة جبهة التحرير الجزائري،ومعا حدّادا برنامج عمل حالم ما كان له أن يتحقق لولا
عبقرية الانتقال من التنظير الى الممارسة،ومن المجرد الى المحسوس.ولولا انضمام رفاق درب في الرابطة الى الفكرة،وانضمام مجموعات أخرى في قطر والسعودية وسورية والأردن وألمانيا وداخل الأرض المحتلة.
من هنا صار العادي غير عادي،وصارت الظروف مواتية لظهور جيل طليعي سيكتسب فيما بعد لقب :جيل العمالقة.
تأسست حركة فتح في السياق التاريخي المناسب ،وتشكّلت من نهر وروافد،وأصبحت حركة فدائيين يرفعون شعار:الكفاح المسلح الطريق الوحيد لتحرير فلسطين،وأعادت الاعتبار للهوية الفلسطينية،ورافقت تأسيس منظمة التحرير،بل وتبوأت قيادتها بعد
الإنجازات التي حققتها الحركة الفدائية وخصوصا بعد معركة الكرامة.
من صفوف البسطاء الحالمين خرج ياسر عرفات،ظهر في لحظة تاريخية كان الشعب الفلسطيني فيها بحاجة الى رموز تعيد له الثقة والكرامة والأرض والوطن.
خرج باسمه الحركي ،وظلّ بعيدا عن الأضواء،ينكر الذات،ويتقدم الصفوف من أجل التضحية،ويعيش مع رفاقه في قواعد الفدائيين التي انتشرت في الأغوار على امتداد ضفة نهر الأردن، ويقود ببسالة وشجاعة معركة الكرامة،وما كان لأحد من خارج صفوف رفاقه أن يعرف هذا القائد لولا ذلك الغلاف الذي تصدّر صورته في مجلة ال TIME فعرف العالم هذه الشخصية الأسطورية التي قادت معركة هزمت الجيش الإسرائيلي هزيمة قاسية.
كان الكفاح المسلح يزرع ،والسياسة تحصد،وأصبحت منظمة التحرير الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني.
لم يهمل ياسر عرفات العمل السياسي،فقد كان يعرف أنّه يقود واحدة من أكبر حركات التحرر الوطني في العالم معترف بها عربيا ودوليا،وأنّ هذا الكفاح يتعين أن يستثمر سياسيا.














