من جديد، اثبت استخدام الولايات المتحدة الأمريكية لـ"حق النقض-الفيتو"، وإحباطها لمشروع قرار أيدته جميع الدول الأعضاء في مجلس الأمن، لإبطال إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها، بأن هذا الحق، هو سلاح الدول العظمى في مواجهة الحقوق.
واستخدمت أميركا "الفيتو" محبطة بذلك مشروع قرار أيدته جميع الدول الأعضاء في مجلس الأمن لإبطال إعلان ترمب.
هذا الـ"فيتو" اليوم، يحمل الرقم 43 لصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي على حساب الحقوق الفلسطينية المشروعة. و تكون أميركا قد أثبتت بما لا يدع مجالا للشك، بأنها غير أهل لأن تكون وسيطا نزيها في عملية السلام، من خلال انحيازها منقطع النظير لدولة الاحتلال على حساب القضية الفلسطينية.
وتجلت عنصرية "الفيتو"، بأنه جاء ضد الاجماع الدولي، ومخالف لقرارات الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن، ويمثل انحيازا كاملا للاحتلال والعدوان. علاوة على أنه سيؤدي الى مزيد من العزلة للولايات المتحدة، وسيشكل استفزازا للمجتمع الدولي.
وصوت لصالح مشروع القرار 14 دولة، ولم يتم تبنيه بسبب معارضة الولايات المتحدة التي بدت معزولة عن الإجماع الدولي.
ومن سلبيات "الفيتو" على مستوى القضية الفلسطينيّة، أنّه منح الولايات المتحدة الحقّ في دعم إسرائيل بإبطال أيّ قرار يقضي بوقف الاحتلال وأعمال العنف والقتل في أراضي فلسطين، وهذا ما أدّى إلى التشكيك في مصداقية الأمم المتحدة على مختلف الأصعدة.
وتتداول كلمة "الفيتو" كثيراً على مسامعنا، خاصة عند انعقاد جلسات لمجلس الأمن الدولي لإتخاذ قرار ما في مسألة سياسية مهمة.
حق "الفيتو" أو حق "النقض" هو حق الاعتراض على أي قرار يقدم لمجلس الأمن الدولي دون إبداء أسباب، ويمنح هذا الحق فقط، للدول الأعضاء الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وهي: روسيا، والصين، وبريطانيا، وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.
والقرار الأمريكي، الليلة الماضية، يبرهن ودون أدنى شك، بأن مقر الامم المتحدة، أصبح مرتعاً ومقر لصراعات سياسية وسوق لغط من اجل السيطرة على القرار على حساب أروح البشر بجميع مكوناته.
كذلك ما يجري في مجلس الأمن من الحرمان من الحقوق للمقهورين بسبب "الفيتو"، لهو اكبر دليل على هشاشة نظام المنظمة الدولية وعدم قدرتها على فرض الامر بقوة القانون الدولي، مما اثر على مصداقيتها وحياديتها في مجمل القضايا العالقة حتى وقتنا الحاضر في ضل الصراعات الدامية على مرأى من مجلس الأمن الدولي، ومسمع الأعضاء دون أدنى قدرة منهم على فعل أي شي لا يقاف هذه الصراعات والجرائم، بل على العكس تماماً، هناك من يؤيد هذه الممارسات داخل المجلس ويشجعها ويدعمها ويوفر الحماية لها، وهو يرى ويسمع ويعرف انه على خطأ، ومع ذالك يصر على قراره، وبذلك لديه قناعة بأن "الفيتو" بيده يحركه كيفما شاء، كما حدث من الولايات المتحدة الأمريكية الليلة الماضية.
لذلك وبسبب هذا الضعف في منظومة المنظمة الدولية، دعت العديد من الدول الى تغيير هذا النظام، الذي عدته غير عادل، ولا يليق بالأمم المتحدة ومنظومتها القانونية، ولابد من ان يتم إصلاح هذا النظام، وبل وتمكين المنظمة الدولية فعلياً وعملياً من أداء واجباتها وتحمل مسؤولياتها في الحفاظ على الأمن والسلم العالميين.
كل يوم يتعرّض حق "الفيتو" للكثير من الانتقادات، فيقول منتقدوه أنّ الكثير من القرارات التي يُقرّها مجلس الأمن الدولي لا يتم تنفيذها بسبب "الفيتو"، كما أنّ الأعضاء الخمسة الفائزون في الحرب العالمية الثانية، لا يعكسون الأوضاع السياسية الحالية، وفي ظل المتغيرات السياسية العالمية الحالية.
وكان مفهوم حق "الفيتو" قد ظهر بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وعند تأسيس هيئة الأمم المتحدة، ويسمّى حقّ "الفيتو" بحق "النقض".
مُنِحَ هذا الحق فقط لخمس دول فقط من أعضاء مجلس الأمن الدوليّ، الذين بلغ عددهم خمسة عشر عضواً، فأعضاء مجلس الأمن الدولي هم الدول المُختارة من أعضاء هيئة الأمم المتحدة، وهي مُصنّفة إلى خمس دول دائمة العضوية، وعشر دول غير دائمة تنتخبهم الجمعية العامة للأمم المتحدة كلّ عامين، وهناك مُمثّل أو مفوّض دائم عن كلّ عضو من الأعضاء، ويتناوب الأعضاء شهرياً على رئاستهم لمجلس الأمن تبعاً لترتيب أسمائهم الأبجديّ، ويتم اختيارهم بناءً على معايير مُحدّدة من ضمنها قدرتهم على المحافظة على الأمن والسلام بين الدول، كما يكون لكلّ عضوٍّ منهم صوتٌ واحد فقط.
لم يرد لفظ "فيتو" في ميثاق الأمم المتحدة، بل ورد لفظ "حق الاعتراض"، وهو في واقع الأمر "حق إجهاض"، للقرار وليس مجرد اعتراض. إذ يكفي اعتراض أي من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن ليرفض القرار ولا يمرر نهائياً. حتى وإن كان مقبولاً للدول الأربعة عشر الأخرى كما حدث الليلة الماضية في مجلس الأمن الدولي في موضع القدس.
وساعد حق النقض "الفيتو" الولايات المتحدة على تقديم أفضل دعم سياسي لإسرائيل من خلال إفشالها لصدور أي قرار من مجلس الأمن يلزم إسرائيل بضرورة وقف احتلال أراضي فلسطين وأعمال العنف وجرائم الحرب ضد الشعب الفلسطيني أو إفشال أي قرار يدين إسرائيل باستخدام القوة المفرطة. حيث أدى ذلك إلى الشك بمصداقية الأمم المتحدة بسبب الفيتو الأمريكي.
ويتناقض هذا النظام عموماً مع القواعد الأساسية التي تشترطها النظم الديموقراطية في العالم القانوني اليوم، لأن الدول الخمس هذه لم تنتخب لعضوية هذا المجلس بصورة ديمقراطية، فهي لا تصوت على القرارات بنظام الأغلبية المعروف.
وظهرت في السنوات العشر الأخيرة، أصوات تطالب بتعديل نظام الأمم المتحدة وتوسيع مجلس الأمن، بإضافة دول أخرى مقترحة، وأصوات أخرى اقترحت صوتا لأفريقيا، وصوتاً آخر لأمريكا الجنوبية، وهي على أي حال دعاوى للتوسيع دون المساس بمبدأ "الفيتو".
حديثاً سعت بعض الأصوات الداعية لتصويب هذا الوضع، إلى إلغاء نظام التصويت بـ"الفيتو" نهائياً واعتماد نظام أكثر شفافية وديمقراطية وتوازن.
إن هذا النظام للتصويت، المعروف بـ"الفيتو"، ساهم في إضعاف، بل وتقويض نزاهة الأمم المتحدة، وحال دون تمكنها من حل أهم النزاعات الدولية.














