كتبنا وما زلنا نكتب بأن هذه الادارة الاميركية بقيادة دونالد ترمب أسوأ إدارة أمريكية منذ إدارة ترومان حتى يومنا هذا. والأسباب واضحة وضوح الشمس وحتى للجاهل، لأن سيد البيت الابيض الجديد تبين بأنه جاهل تماما بقضايا العالم أجمع من غربها الى شرقها، وخصوصا جهله بقضية الشرق الاوسط المزمنة منذ اجتماع بازل الصهيوني في سويسرا بتاريخ ٢٩ آب ١٨٩٧ برئاسة زعيم الصهاينة ثيودور هرتسل مرورا بالسماح بالهجرة اليهودية الغربية على يد زعيم تركيا أتاتورك في العام ١٩٠٤م ومن ثم اتفاق سايكس بيكو، الذي اعطى بريطانيا العظمى الحق في الانتداب البريطاني على فلسطين، وإعلان وعد بلفور منذ مائة عام، أي منذ العام ١٩١٧م، كما أن خلفيته اليهودية تميل الى الصهيونية الاسرائيلية.
ترمب قبل انتخابه رئيسا لأمريكا أعلن صراحة تأييده لإسرائيل بلا حدود ووعد اسرائيل بأنه سوف ينقل السفارة الاميركية من تل أبيب الى القدس، وسينقلها آجلا أم عاجلا بقيادة ديفيد فريدمان، سفير أمريكا لدى تل ابيب، كما أنه أعلن بوضوح بأن جميع المستعمرات التي بنيت على الأراضي المحتلة هي قانونية، ولم يذكر أبدا بأن له مشروع سحري لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي إلاّ بعد أن شعر بأن هذه القضية لها بعد عالمي، وبالأخص عندما طلب نتنياهو من ترمب بأن يضغط بعدم تقديم مشروع الدول العربية لمجلس الأمن قبل استلام ترمب لمهامه الرئاسية والتي أجمع عليها العالم وحظيت بإجماع عالمي في مجلس الأمن وبدون الفيتو الأميركي، وصدر القرار رقم ٢٣٣٤ الذي يدين التوسع الاستيطاني الاسرائيلي في الأراضي المحتلة، باعتبار أن جميع المستعمرات التي بنيت على هذه الأراضي التي احتلتها اسرائيل في العام ١٩٦٧م غير شرعية. ثم قرر ترمب وبدون الرجوع لمجلس الأمن شرعنة هذه المستعمرات.
ومنذ انتخاب السيد ترمب والى يومنا هذا عقد أكثر من ٢٠ اجتماعاً فلسطينياً أميركيا في واشنطن وفي الأراضي المحتلة وكانت حصيلة هذه الاجتماعات صفراً كبيراً.
اليوم يطالب ترمب بواسطة صهره الصهيوني جاريد كوشنير بأن تمتنع السلطة الفلسطينية عن مهاجمة الاحتلال سياسيا ودبلوماسيا لمدة أربعة شهور أخرى لإعطاء فرصة لتقديم مشروعه، وطبعا سيعقبها ستة شهور أخرى الى أن يتم بناء المزيد من المستعمرات في الأراضي المحتلة، كي يستحيل من بعدها حصول الشعب الفلسطيني على دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
أما الحل السحري في عقلية هذه الإدارة الأميركية فهو إعطاء الفلسطينيين حكماً ذاتياً بقيادة السلطة الفلسطينية في أفضل الأحوال، وطبعاً القدس الشرقية ستكون من ضمن القدس الموحدة تحت السيطرة الاسرائيلية، وهذا ما أكده نتنياهو في آخر مؤتمر له في القدس الغربية.
وفي المقابل تزداد أوضاعنا الفلسطينية تدهوراً مع ترسيخ الانقسام المأساوي، وبدون أي أفق سياسي جدي وواقعي لإنهاء هذا الانقسام المعيب، وكل ذلك وسط تراشق الاتهامات بين قيادات غزة وقيادة السلطة، والشعب الفلسطيني مازال ينتظر ليرى الدخان الأبيض يخرج من قاعة اجتماع لزعماء الفصائل الفلسطينية والتي تنادي بالحرية والاستقلال ليعلن إنهاء مأساة الانقسام لشعبها الصابر والمظلوم من زعمائه أكثر من ظلم أمريكا والمحتل.
ومن السخافة والحماقة أن نبقى مختلفين على أبسط الأمور ومن بينها تلك التي لربما تعطي بعض الأمل للشعب الفلسطيني بأن قياداته أدركت بأن أحد أهم الحلول هو الموافقة على انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني بجميع مكوناته الفصائلية وانتخاب قيادات شبابية جديدة لقيادة الشعب الفلسطيني نحو الحرية وهذا لن يتحقق إلا بإنهاء الانقسام وإعادة اللحمة بين جميع فصائل وقوى الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة جميعها والشتات ان كانوا في المخيمات أو خارجها.
وحتى الاحتلال وامريكا يقولان: كيف لنا أن نقدم حلولاً واقعية وملزمة لجميع أطياف الشعب الفلسطيني إذا كان الفلسطينيون غير متفقين؟! وهذه حجة صحيحة ولكنها ذريعة لتكريس احتلال فلسطين جميعها وحتى محو اسم فلسطين عن خريطة العالم.
إن الخطابات الرنانة التي شبعنا منها أو الحلول غير الواقعية التي يريد إي فصيل فرضها على الفصيل الآخر تعني بأن هذا الفصيل أو ذاك يريد تحرير الوطن في الأحلام وليس على أرض الواقع.
فالدول العربية طرحت مشروعها السخي لإسرائيل، فلماذا لا تلتزم كل الفصائل بما قررته الدول العربية؟ وطبعا السبب واضح لأن بعض دول الجوار لا تريد إنهاء هذا الانقسام المخزي.
واضح للعيان بأن لا حل لقضيتنا العادلة إلا إذا اتحدنا أما الاعتماد على سحر ترمب والدول الأوروبية أو حتى على إخواننا العرب لن يفيد إلا إذا ما اندلعت انتفاضة شعبية سلمية عارمة في جميع الأراضي الفلسطينية، وعندها يتأكد قادة الانقسام بأن إخواننا العرب سيدعموننا، كما أن الغرب والشرق سيكون مرغماً على الاستماع لصوتنا القوي، وعندها ستدرك أمريكا وحليفتها اسرائيل بأن لا حل سلمياً الا بإعطاء الفلسطينيين جميع حقوقهم المشروعة عالمياً، أما إذا ما بقينا نناور ونضع العراقيل التافهة لتكريس الانقسام، واعتمدنا على وعود ترمب السحرية فهذا يعني توجيه مزيد من الضربات لقضيتنا المقدسة وخدمة مباشرة للاحتلال ومخططاته.
إن الزعامة الحقيقية لا تتجسد إلا بقيام القيادات الفلسطينية بجميع أطيافها الحمساوية والفتحاوية وغيرها بالعمل على خدمة الشعب الفلسطيني وإنهاء الانقسام وتقديم برنامج خلاق مقبول عالمياً لإنهاء الاحتلال، لأن الشعب الفلسطيني برهن لقياداته وللعالم بأنه شعب صامد مرابط مستعد للتضحية في سبيل حقوقه وحفاظاً على مقدساته وأرضه وأرض أجداده.
أما أبطالنا الحقيقيون اليوم فهم الشهداء الذين قدموا أرواحهم فداء للوطن، وأسرانا الذين ما زالوا قابعين في سجون الاحتلال وجرحانا الذين ما زالوا يعانون فهل يصحو زعماؤنا من سباتهم وينهون هذا الانقسام، ويقطعون الطريق على أحلام نتنياهو وحكومته المتطرفة.















