شبة الجزيرة الكورية تعيش حالة ترقب وانتظار لما قد تحمله الأيام والساعات القادمة، لاسيما وان قرع طبول الحرب بدأ مع ارتفاع وتيرة التصريحات النارية من قبل قادة الدول ذات الصلة بالصراع؛ حيث تبدو كوريا بدولتيها الشمالية والجنوبية، كأنها تستحضر حرب 1950/1953 مع الفارق الكبير والعميق في شروط اللحظة والأسلحة المستخدمة، وتداعياتها الإقليمية والدولية.
ووفق تقديرات القوى الدولية والمراقبين، فإن ضباب الحرب الرمادي الكثيف المائل إلى السواد، بات ينذر بهطول القنابل والصواريخ من الجانبين الأميركي والكوري الشمالي، وهذا ما عبرت عنه الناطقة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا يوم الأحد الماضي لقناة "روسيا 1" بالقول: "إن الوضع وصل في شبه الجزيرة الكورية إلى احتمال نشوب صراع عنيف." وليس احد غير الولايات المتحدة يقف وراء ذلك. وتأكيدا لذلك، كان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب صرح في الثامن من آب الحالي، باستعداد اميركا للرد على "استفزازات" محتملة لكوريا الشمالية بـ"النار والغضب". وتناغم رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، جوزيف وانفورد بوتيرة اعلى مع رئيسه، بالقول وفق ما ذكر الموقع الإليكتروني للقناة الإسرائيلية الثانية يوم الأثنين الماضي 14/8: نحن "نجهز ونعد للخيار العسكري لاستخدامه في حال فشلت المحاولات الديبلوماسية والعقوبات الاقتصادية، لأن صواريخ بيونغ يانغ تشكل تهديدًا للعالم اجمع."؟! وأضاف الجنرال الأميركي "الجيش الأميركي جاهز وحاضر لاستخدام كامل قوته وعظمته للدفاع عن الولايات المتحدة." وتناسى وانفورد، التهديد النووي الأميركي لدول وشعوب العالم قاطبة، وليس لشبه الجزيرة الكورية. ولولا الغطرسة والعدوانية الأميركية ضد شعوب جنوب شرق أسيا عموما وكوريا الشمالية خصوصا لما وصلت الأمور إلى شفا الهاوية.
وما يؤكد تحمل اميركا المسؤولية التاريخية والحالية عن الصراع في شبه الجزيرة الكورية خاصة وعموم اقليم الشرق الأقصى، هو التدخل المباشر في شؤون الدول، ونشر اساطيلها وقواعدها العسكرية في كوريا الجنوبية واليابان والفلبين واندونيسيا وغيرها من دول المنطقة. وما زالت الذاكرة العالمية حاضرة، كونها لم تنس الحرب الأميركية الوحشية في فيتنام، التي انتهت بهزيمة الولايات المتحدة اواسط السبعينات من القرن الماضي. ولم يكن التصعيد لنيران الحرب على كوريا الشمالية وليد اللحظة، بل سابق على إدارة ترامب، حيث كانت إدارة اوباما السابقة تعمل بخطى حثيثة لمفاقمة وتوتير الأوضاع في منطقة بحر الصين لتحقيق أكثر من هدف، منها اولا ضرب الترسانة النووية الكورية الشمالية، التي تهدد الولايات المتحدة وحليفاتها كوريا الجنوبية واليابان وغيرهما؛ ثانيا توريط الصين الشعبية في الحرب من خلال وقوفها إلى جانب بيونغ يانغ. وخلق هزة قوية في الاقتصاد الصيني، الذي يسير بخط بياني صاعد لبلوغ المكانة الأولى عالميا؛ ثالثا إعادة ترتيب جنوب شرق اسيا وفق الاستراتيجية الأميركية، وبما يحول دون تطور وتنامي القدرات الصينية او الروسية، وتمددهما في الشرق الأقصى؛ رابعا حماية مكانة الإمبراطورية الأميركية الدولية، لا سيما وانها بدأت بالتراجع والانكفاء منذ عام أيلول/ سبتمبر 2008 مع دخول الأزمة الاقتصادية الكارثية للبيت الأميركي؛ خامسا إعادة صياغة خارطة العالم من اقاصي آسيا، كما فعلت في الحرب العالمية الثانية، حين استخدمت القنبلة النووية ضد مدينتي هيروشيما ونكازاكي اليابانيتين... إلخ
لكن على ما يبدو ان حسابات أميركا تجانب الصواب، رغم انها تملك اعظم ترسانة نووية عالمية. لكن ليست دائما القوة العسكرية سببا في الانتصار، بل يمكن ان تكون العكس تماما، وعبئا على اميركا نفسها. لأن الحرب في حال بدأت فلن تقتصر على الكوريتين وأميركا، انما ستطال دولا عظمى اخرى، تدفع نحو حرب عالمية غير مسبوقة.
لذا على إدارة ترامب المرتبكة والمتعثرة داخليا وخارجيا، إن كانت معنية بحماية ذاتها بمعايير ما هو قائم، وحماية شعوب العالم من ويلات حرب نووية فتاكة ومدمرة، فإن الضرورة تحتم وقف حملات التصعيد والتوتير، ومنح خيار الحل السياسي والديبلوماسي الأولوية والفترة الزمنية المناسبة لبلوغ القواسم المشتركة بين الشعوب والدول ونزع فتيل الحرب، وخلق مناخ التعاون والتعايش بين الدول والشعوب وفقا لمبادئ الأمم المتحدة. الحرب والسلام بيد إدارة ترامب، وليس أحد غيره.
oalghoul@gmail.com















