(1934م-1993م)
بقلم لواء ركن/ عرابي كلوب 26/07/2017م
ولد المناضل/ صدقي محمد راغب جوابرة في قرية عصيرة الشمالية، لواء نابلس عام 1934م في أسرة عريقة من حمولة الجوابرة، عاش أبناءها وبناتها في ظل حياة كريمة شريفة، حيث كانت الأسرة تعتمد في معيشتها على الزراعة كبقية أكثر أبناء القرية، لامتلاكهم أراضي بها، وشاءت الأقدار أن يتوفى رب الأسرة الوالد (محمد راغب جوابرة) (أبو فايز) وهو في ريعان شبابه بتاريخ 22/12/1950م، بعد وفاة رب هذه الأسرة اضطرت زوجته الفاضلة أم فايز لتتحمل المسؤولية الصعبة في تربية أبنائها، وكان أبنها صدقي آنذاك قد بلغ السادسة عشر من العمر فساعدها في زراعة ورعاية أرضهم.
نشأ صدقي جوابرة نشأة فيها معنى الرجولة حيث أنهى تعليمه الأساسي والاعدادي، فأرغمته ظروفه المعيشية على ترك دراسته ليقوم بتأمين لقمة العيش لإخوانه وأهله، فقد تسلم مسؤولية الأسرة ورعاية شؤونها بالرغم من حداثه سنه، فقد أشتغل في الزراعة وتربية الإبقاء والأغنام والاهتمام بأرضه.
كان صدقي جوابرة أثناء عمله في الزراعة يتطلع إلى مستقبل أفضل لشعبه ووطنه، حيث شاهد بأم عينيه معاناة أبناء شعبه عام 1948م الذين هجروا قسراً من أراضيهم، وكان من الذين يعطفون على الفقراء والمحتاجين ويعمل على روح المحبة والمودة والتعاون، ويصلح ذات البين، كان محباً وعطوفاً على أخوته واخواته والصغار، عمل مع والدته وأخيه الأكبر فايز على تعليمهم وتثقيفهم وتربيتهم حتى أصبحوا المثل الأعلى في الخلق والأدب والتربية.
تزوج صدقي جوابرة من أبنه عمته عام 1960م ورزق بولدين هما (محمد وقيصر) وستة من البنات، وجميعهم أتصف بأخلاق أبيهما، فكانا مثال الوفاء والتضحية والشجاعة والرجولة.
التحق صدقي جوابرة (أبو محمد) في تنظيم حركة فتح منذ الانطلاقة عام 1965م، عاملاً على نشر رسالتها ومبادئها وأخلاقها بين الشباب سراً في منطقته والمناطق المجاورة.
بعد هزيمة حزيران عام 1967م وسقوط ما تبقي من أرض فلسطين هب مقاتلاً فدائياً يدافع عن أرضه وعرضه ووطنه فشكل مجموعات فدائية كانت تقوم ببعض العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال ومنشأته العسكرية.
أوائل عام 1968م انكشفت بعض المجموعات الفدائية لسلطات الاحتلال، وبدأت القوات الاسرائيلية حملة مداهمات واعتقالات مستمرة بحثاً عنه، وكذلك قامت بمحاصرة القرية باستمرار للتأكد من وجوده وفرضت نظام منع التجول بهدف القاء القبض عليه وقامت بنسف منزل زوج شقيقته (منزل السيد/ خالد أحمد جوابرة) أبو أحمد بعد عثورها على كميات من الأسلحة التي كانت تخص العمل العسكري في نابلس وتم اعتقاله، وعلى أثر ذلك غادر صدقي جوابرة (أبو محمد) أرض الوطن إلى الأردن على رأس مجموعة مكونة من ثمانية أفراد، وعند وصولهم إلى المنطقة الحدودية التي يجب اجتيازها في حلكة الظلام إلى شرق الأردن كانت أقدامهم قد ساقتهم إلى حقل الغام إسرائيلي فأنفجر ذلك الحقل وأرتقى أربعة شهداء من المجموعة إلى الرفيق الأعلى وهم:
1- الشهيد/ عبد الجبار جودة – من قرية زواته.
2- الشهيد/ أبو الهيثم – من قرية بيت فوريك.
3- الشهيد/ عمر حبايب.
4- الشهيد/ زاهي صدقي يعيش.
وكان أخطرها اصابة أبو محمد صدقي حيث أمضى الجرحى وهم ينزفون وقتاً ليس بالقليل إلى أن تم العثور عليهم من قبل افراد المجموعات المرابطة شرقي النهر وتم نقلهم إلى مستشفى السلط العسكري للعلاج وبعد انقضاء فترة طويلة تماثلوا للشفاء.
بقى الحاج/ صدقي جوابرة (أبو محمد) يعمل ضمن جهاز القطاع الغربي في الساحة الأردنية وحتى أحداث أيلول الأسود عام 1970م، أنتقل بعدها إلى سوريا وعمل فيما بعد تحت قيادة كل من اللواء الشهيد/ سعد صايل (أبو الوليد) واللواء عز الدين الشريف رحمها الله.
في عام 1979م نزل سراً إلى الأردن لمتابعة اتصالاته مع الداخل، وبعد متابعة طويلة له من قبل الأجهزة الأمنية الأردنية تم القاء القبض عليه وأودع السجن، حيث أمضى أربعة أشهر وبعد تدخل القيادة الفلسطينية ووصول الأخ/ أبو عمار في زيارة للأردن تم الافراج عنه وأبعد إلى سوريا.
تم اعتقاله من قبل أجهزة الأمن السورية بسبب قيامه بتنظيم بعض العسكريين السوريين وتم الافراج عنه فيما بعد.
خلال فترة الانشقاق عام 1983م، رفض المشاركة مع المنشقين بالرغم من الضغوطات القاسية التي تعرض لها والمطاردة المستمرة له من قبلهم، حيث بقى متخفياً لبعض الوقت مما أضطره إلى التوجه إلى الأردن بالرغم من المضايقات الأمنية له، لم تثنى ذلك من عزيمته على مواصلة مشواره النضالي، ومع اشتعال جذوة الانتفاضة المباركة نهاية عام 1987م، اتخذت السلطات الأردنية قراراً بأبعاده إلى العراق حيث كانت محطته الأخيرة، كما أبعد كل من الأخوة (حمدي، وأبو حسن قاسم، مروان) الذين استشهدوا فيما بعد في قبرص رحمهم الله.
ظل الحاج/ أبو محمد صدقي يعمل من خلال القطاع الغربي في الساحة العراقية وكانت تربطه علاقة مميزة مع الشهيد القائد/ خليل الوزير (أبو جهاد) حتى تاريخ استشهاده رحمه الله.
من خلال عمله في القطاع الغربي قام بالأشراف علي تنظيم وتدريب العديد من شباب الداخل الفلسطيني.
في أواخر حزيران عام 1993م، تم السماح له بالحضور إلى عمان للمشاركة في عزاء شقيقه الذي توفي هناك.
غادر عمان بتاريخ 24/07/1993م إلى بغداد وبعد يومين أي يوم الاثنين الموافق 26/07/1993م وبعد حضور أصدقاءه لتقديم واجب العزاء له بوفاة شقيقه، وبعد أداءه صلاة العشاء، حتى صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها وتم نقل الجثمان من بغداد إلى عمان حيث شيع إلى مثواه الأخير ودفن في مقبرة وأدى السير وشيع في جنازة مهيبة شارك فيها الأهل والاصدقاء.
خلال عمله في القطاع الغربي بداية الثمانينات من القرن الماضي سيطرت على الحاج/ صدقي جوابرة (أبو محمد) نزعه دينية قوية جعلته من عشاق الآخرة، حيث كان زاهداً في الدنيا، وكان سلاحه التقوى والايمان بالله والعمل للآخرة.
أبو محمد صدقي جوابرة هذا الشيخ الجليل أبن عصيرة الشمالية، القائد والفدائي الصامت، الهادئ والنقي الطاهر، الورع الزاهد في الدنيا ومن عشاق الآخرة، رجل البدايات في الزمن الصعب ومن الرعيل الأول ومن أحباب أبو عمار وأبو جهاد وسعد صايل وكل من عرفه أو عمل معه، أو سمع عنه، أحبه ومن كل قلبه، وترك بصمات في قلبه وعقله، لكل من سمع أقواله وارشاداته وهدية ونصحه، فكان الواعظ وكان الأب والصديق والرفيق، يفطر حباً وحرصاً، القرآن الكريم إيمانه وهدية والوطن قبلته وعقله، هذا هو أبو محمد صدقي.
أبو محمد صدقي جوابرة كان من قادة مجموعات العاصفة المقاتلة في بدايات القطاع الغربي عام 1968م والتي قاتلت النخبة في الجيش الإسرائيلي، كان همزة الوصل بين المجموعات الضاربة التي تشكلت في الداخل الفلسطيني بعد هزيمة حزيران عام 1967م، قائد شجاع وصاحب كرامه، وعزة نفس لا يقدر عليها إلاَّ الأبطال الحقيقيون، أصر وقاتل خلف الخطوط بشراسة وعناد.
أبو محمد صدقي كان فخر للقضية وللثورة الفلسطينية، لقد كان قدوة بالسيرة والمسيرة.
رحم الله العميد الحاج/ صدقي محمد راغب جوابرة (أبو محمد صدقي) وأسكنه فسيح جناته















