على الجميع ان يذهب يوم الجمعة الى قرية المعصرة إحدى قرى بيت لحم، ويسافر جنوبا ويصعد الى أعلى التلال والجبال ليرى من على بعد 6 كم هوائي البحر والسهول المنهوبة والاشجار المقصوفة، وتلك القرى المحجوزة بين المستوطنات والحواجز ويبحث عن امرأة فلاحة اسمها فاطمة بريجية ام حسن، سيجدها في المسيرة الأسبوعية ضد الاستيطان والحصار.
اذا اردت ان تتعفر بالتراب الأحمر والحصى المتناثر وترى امرأة حنطية تفيض على الارض، تحرك التراب والملح في عضلات الصخور، تسقي الشجر الجميل بالماء ، تطعمك التوت وتؤجج فيك التاريخ والذكريات ، فاذهب الى فاطمة بريجية في قرية المعصرة، واعصر معها الحياة وانت تصعد معها الى ربوة أعلى لترى البحر خلف المستعمرات ، والطير يعلق أناشيده على أغصان الشجر كالمناديل كي تعبر الرياح.
أم حسن بريجية تنتمي الى تاريخ معصرة الزيتون البيزنطية الرومانية والتي سميت القرية باسمها ، تقنعك ان تشرب من زيت الزيتون لتكتشف تاريخ الخبز وحبة القمح الأولى في سنبلة خضراء مجدولة كضفيرة، وترى وجهك جيدا، ومن مروا من هنا أنبياء وشهداء من آلاف السنين، ليبدعوا ويرحلوا ويتركوها محرومة من نسيان جروحها المفتوحة.
أم حسن تروي لك سيرة والدها المجاهد علي اليمني، جاء من اليمن ليشارك في ثورة عز الدين القسام عام 1936، جاء من صنعاء الى فلسطين ليبقى، تزوج من إحدى بناتها وأقسم ان من يأتي هذا البلد ويشرب من ينابيعها ويسير في حقولها ويسمع صوت جوامعها لا يغادرها أبدا، اصلبوني هنا، فالشمس على هذه الأرض حقيقية.
أم حسن بريجية امرأة مزارعة ترى فيها جيشا من النساء، وترى فيها كل أم وامرأة وبيت، هي أم الأسرى والشهداء، غادر ابناؤها جميعا الى السجن، فقدت شهيدا في المنفى، لم تبق وحدها، ظلت تتحرك بين الارض والشجر والقبور وبوابات السجون، وظلت تواجه المستعمرين والمستوطنين في المظاهرات، تقذف الحجارة، ترفع العلم، تهتف للحرية والكرامة، وسوف تصدق حينها ان الكون لا يكون لولاها، وان الليل والنهار لا يمتزجان ويمضيان دون سواها، الفجر بين عينيها وقلبا مكلوما ضاحكا للنور، تعصر التراب بكلتا يداها.
لم تهدأ قرية المعصرة، اعتقل جيش الاحتلال جميع النشطاء والمتضامنين، لكن هناك امرأة تمتد في كل مسامات المنطقة، في اللجان الشعبية والزراعية والتعاونية، منخرطة لحما ودما في العمل النسوي، ذات شخصية مؤثرة ، تستدعي الجميع، لا فراغ في المقاومة، ان لم تكن في المعصرة تجدها في بلعين، وان لم تكن في بلعين تجدها في كفر قدوم، علينا أن نحمي الأرض ونشغل المحتلين ، تقول ذلك وهي تهزج الاهازيج الوطنية التي تعلمتها من والدها المجاهد علي اليمني، والموروثة عن أسوار القدس وأزقة مدينة عكا والخليل ورمال النقب .
أم حسن بريجية ترأس الآن المجلس القروي في المعصرة، اتفق الجميع عليها، البشر والشجر والهواء وحبات المشمش والدراق وأشتال الميرمية التي اخضرت وكبرت امام قبور الشهداء، وهنا تمتليء نفسها بما ينقص من غياب وحجارة ، تصوغ الأفكار تحرص ان تظل حارسة على الصبار والأسماء والخطوات، هناك خلف الجدار منازل موؤدة وذكرى، وهناك حياة تنتظر من يوقظها، لا يكفي ان تقف على الأطلال تراقب النجوم، حركوا الغبار، تقدموا، وتوحدوا واجمعوا الماضي والحاضر في صرخة الآتي، ابذروا البذار، اشياؤنا تموت مثلنا، لكنها لا تدفن معنا.
أم حسن بريجية نحسدها على تطريز الوقت بابرة وخيط اصفر مقطوع من الشمس غير المحتلة، وهي كشجرة الزيتون التي قال فيها محمود درويش: لا تبكي ولا تضحك، هي سيدة السفوح المحتشمة ، بظلها تغطي ساقها ولا تخلع أوراقها إمام عاصفة، تقف كأنها جالسة، وتجلس كأنها واقفة.
أم حسن بريجية ، تمسك يد الحياة بيد خضراء، وتردد القصائد الغنائية للشاعر اليمني اسماعيل الوريث وتقول:
الأرض أجمل كلمة خطت يدي..
الأرض أجمل بسمة ظهرت لعيني..
الأرض أجمل نشوة هزت كياني..
مازال يربطني بأوجاع الولادة حبلها السري.
* رئيس هيئة شؤون الاسرى والمحررين















