حركة التحرير الوطني الفلسطيني - فتح

فتح... الفكرة التي تستمر

03 يونيو 2026 - 14:44
د. شفيق التلولي

 

لم تكن فتح يومًا حزبًا مغلقًا على ذاته، ولا إطارًا أيديولوجيًا يسعى إلى احتكار الحقيقة أو مصادرة الإرادة الوطنية، كما لم تكن تعبيرًا عن سلطة أو نظام سياسي بعينه. لقد وُلدت من رحم القضية الفلسطينية، لتكون حركة تحرر وطني حملت مشروع شعب بأكمله، وجعلت من فلسطين بوصلتها الوحيدة، ومن الحرية غايتها الكبرى.

ومنذ انطلاقتها، لم تنظر فتح إلى نفسها باعتبارها غاية، بل وسيلةً لإنجاز المشروع الوطني الفلسطيني. لذلك، غدت العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، والمكون الرئيس في منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وقائدة ثورته المعاصرة، وحاملة راية القرار الوطني المستقل في مواجهة مشاريع الوصاية والهيمنة والتبعية.

ولأنها حركة مشروع وطني، لا مشروع سلطة، فقد ارتبط حضورها بالدفاع عن الكيانية الفلسطينية وصون الهوية الوطنية الجامعة، ولم تجعل من القوة وسيلةً لفرض إرادتها على أبناء شعبها، بل استمدت شرعيتها من تاريخها النضالي، ومن التفاف الفلسطينيين حول مشروعها، ومن قدرتها على التعبير عن تطلعاتهم في الحرية والاستقلال.

ولم تدّعِ فتح يومًا العصمة؛ فالحركات الكبرى لا تُقاس بخلو مسيرتها من الأخطاء، وإنما بقدرتها على مراجعة تجربتها، وتصويب مسارها، وتجديد أدواتها. لذلك، فإن قوة فتح تكمن في قابليتها الدائمة للنقد الذاتي والتقويم، وفي إيمانها بأن الإنسان الفلسطيني هو القيمة العليا، وأن القانون والعدالة والمصلحة الوطنية يجب أن تبقى فوق كل اعتبار.

إن اختزال فتح في تجربة سلطة أو مرحلة سياسية يمثل ظلمًا لتاريخها ورسالتها؛ فهي أوسع من السلطة، وأعمق من الحكومة، وأبقى من الأشخاص. إنها فكرة وطنية متجددة، تتجاوز حدود اللحظة، لأنها ارتبطت بجوهر القضية الفلسطينية، لا بتقلبات السياسة أو موازين القوة.

ومن هذا المنطلق، فإن الواجب الوطني يفرض اليوم قراءةً شجاعةً وعميقةً لما آلت إليه الساحة الفلسطينية، ولا سيما في قطاع غزة، الذي يدفع شعبه أثمانًا باهظةً نتيجة واقع سياسي طال أمده، وما أفرزه من انقسام واختلال في البنية الوطنية، وما ترتب عليه من إضعاف للنظام السياسي الفلسطيني، وإتاحة المجال أمام مشاريع تستهدف تكريس التجزئة وفصل غزة عن امتدادها الوطني.

إن المخرج الحقيقي لا يكمن في إدارة الأزمات المتلاحقة، بل في معالجة أسبابها، واستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني على أساس الشرعية والشراكة الوطنية، وإنهاء كل أشكال الانقسام والارتهان، بما يعيد توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن إطار سياسي واحد، قادر على حماية المشروع الوطني ومواجهة المخاطر الوجودية التي تحدق بالقضية الفلسطينية.

ففلسطين لا تحتمل مشروعين، ولا شرعيتين، ولا بوصلةً غير بوصلة الوطن. وكل تأخير في استعادة الوحدة الوطنية يمنح خصوم القضية فرصةً إضافيةً لتكريس واقع التجزئة وإضعاف الهوية الوطنية الجامعة.

وستبقى فتح، ما بقيت فلسطين، حارسةً للفكرة الوطنية، ومدافعةً عن الشرعية والهوية ووحدة الشعب، لأن الحركات العظيمة لا تُقاس بعثراتها العابرة، وإنما بما تتركه من أثر في وجدان أوطانها. وستظل فتح فكرةً تتجدد، ومشروعًا وطنيًا يستمد بقاءه من عدالة القضية، ومن إرادة الشعب الفلسطيني، وإيمانه بأن الحرية لا تُنتزع إلا بوحدة الصف، وأن الوطن سيبقى أكبر من الجميع

Link: https://mail.fateh.info/post/195223