من يعرف الطبيعة الاستيطانية الاحلالية والاجلائية للمشروع الصهيوني ، لا يحتاج لعناء يذكر لكي يدرك بان اصحاب هذا المشروع لم يفكروا يوما بالتخلي طواعية عن اي شبر من الاراضي الفلسطينية المحتلة ، لان اي خطوة من هذا النوع تصطدم مع قناعتهم الايدولوجية القائمة على فكرة تجميع يهود العالم اقليميا في فلسطين وخلق المقدمات المادية لترحيل الفلسطينيين عن وطنهم اما بالاكراه او من خلال تعقيدات حياتية جمة تدفعهم للرحيل بمحض ارادتهم وان تعذر ذلك فابقائهم في معازل، غرباء في وطنهم .
ومن يراجع التاريخ جيدا ، فانه يستطيع ان يكتشف بان اكثر ما قدمه قادة الحركة الصهيونية من مشاريع سياسية لحل القضية الفلسطينية ، هو منح الشعب الفلسطيني المقيم في الضفة الغربية ، وقطاع غزة ، باستثناء القدس ، التي يعتبرونها عاصمة اسرائيل الابدية الموحدة ، حكما ذاتيا اداريا خدماتيا يشمل السكان دون الارض التي يجب ان تبقى تحت السيطرة الاسرائيلية الى ابد الآبدين طالما انها منحت لهم بموجب وعد الاهي مزعوم .
ومن الواجب في هذا المجال التذكير ان فكرة منح الفلسطينيين حكما ذاتيا لادارة شؤونهم الحياتية في اطار دولة اسرائيل ، كانت قد طرحت قبل اقامة اسرائيل في العام 1948 ، باكثر من عشرين عاما كاحد الخيارات المتاحة لحل معضلة السكان الاصليين ، ان تعذر ترحيلهم عن ارضهم بالقوة .
وكان اول من طرح هذه الفكرة هو زعيم ما يسمى بالتيار الاصلاحي في الحركة الصهيونية " الحركة التصحيحية الصهيونية " زئيف فلاديمير جابوتنسكي (1880-1940) احد اكبر رموز التطرف في تلك الحركة والاب الروحي لقادة حزب "الليكود" وفي مقدمتهم مناحيم بيغن واسحق شامير وارئيل شارون ورئيس وزراء اسرائيل الحالي بنيامين نتنياهو .
وقد ورث فكرة جابوتينسكي حول الحكم الذاتي ، تلميذه رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق مناحيم بيغن الذي طرح اثناء مفاوضات كامب ديفيد مع انور السادات منح الفلسطينيين حكما ذاتيا كاملا وواسعا في اطار دولة اسرائيل بما في ذلك منحهم جوازات سفر اسرائيلية .
وفي حينه ، فقد كان لافتا ان اقتراح بيغن وهو من القادة اليمينيين الاكثر تطرفا في الطيف السياسي الاسرائيلي قد قوبل برفض شديد من حزب العمل الاسرائيلي بقيادة شمعون بيرس واسحق رابين لانه كان بنظرهم يشكل خطرا على يهودية دولة اسرائيل ، الامر الذي اكد في حينه عدم وجود يمين ويسار ، تطرف او اعتدال ، في الطيف السياسي الاسرائيلي ، بل مزاد بين قادة متطرفين وقادة اكثر تطرفا وكلهم سيان وجهان لعملة واحدة يتفقون على الهدف الاستراتيجي ويختلفون على الاسلوب .
ولعل الدليل الاسطع على هذه المقاربة انه حينما تخلت منظمة التحرير الفلسطينية عن معارضتها للشق الفلسطيني من كامب ديفيد ووافقت على فكرة الحكم الذاتي في اطار حل اعتقدت انه مرحلي في اتفاق اوسلو الموقع مع حكومة حزب العمل الاسرائيلي في 13 ايلول 1993 ، فان حزب "الليكود" رفض تلك الاتفاقية واعتبرها تنازلا وتفريطا خطيرين بحق اليهود في وطنهم ومقدمة لقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة تشكل مقدمة للقضاء على الدولة العبرية .
وغني عن القول بان المزاعم الليكودية لم تكن صحيحة مطلقا لان حزب العمل بزعامة رابين – بيرس آنذاك لم يتنازل في" اوسلو" عن اي من الثوابت الصهيونية وعرقل كل المساعي والمحاولات التي بذلتها السلطة الفلسطينية لتطوير الحكم الذاتي الى اي نوع من الكيانية السيادية ، ولم يطبق حتى الالتزامات الطفيفة وغير الجوهرية التي كان يجب عليه ان ينفذها بموجب الاتفاقية تحت ذرائع وعناوين مختلفة ومنها لمن يذكر نظرية المواعيد غير المقدسة والمخاطر الامنية .....الخ .
ومع ذلك فان المعارضة الاسرائيلية ، ممثلة بحزب "الليكود" آنذاك، استغلت حالة التقاطب السياسي الحادة التي نجمت عن توقيع اتفاق اوسلو ، في داخل المجتمع الاستيطاني الاسرائيلي وقامت بخطف الانتصار ، الذي حققه حزب العمل ، بجر الفلسطينيين الى الاعتراف باسرائيل مقابل وعود وكلمات مبهمة حمالة اوجه بدون مرجعيات ملزمة ، لا افق لها ، كما ثبت لاحقا ، لشن حملة شعواء على اسحق رابين الذي اتهم بالتفريط والتنازل والخيانة ، للعودة الى الحكم .
وفي حينه فقد اعتبر الكثيرون حتى في اسرائيل ان" البروباغندا" التي عبر عنها بنيامين نتنياهو في كتابة" مكان تحت الشمس " هي التي ادت لقتل اسحق رابين على يد المتطرف ايغال عامير عام 1995، سيما وان نتنياهو اوضح في كتابه المذكور بان اسحق رابين تنازل عن الضفة الغربية وقطاع غزة للفلسطينيين ، كما انه سوف يتنازل عن هضبة الجولان السورية المحتلة ، مما سيؤدي الى حشر الاسرائليين في السهل الساحلي تمهيدا للقضاء عليهم ، مع ان الحقيقة هي غير ذلك تماما وهي ان رابين لم يتنازل عن اي من الثوابت الصهيونية المعروفة وهي تحديدا الرفض المطلق لاقامة دولة فلسطينية لا في اراضي ال67 ولا في غيرها ولحق العودة للاجئين الفلسطينيين ولتفكيك المستوطنات وغيرها من اللاءات المعروفة .
لقد جرت مياه كثيرة في النهر منذ مقتل اسحق رابين حتى يومنا هذا واصبح نتنياهو رئيسا لوزراء اسرائيل منذ العام 2009 بصفته رئيسا لحزب "الليكود" ، فواصل نفس سياسة المماطلة والتسويف التي اتبعها رابين ، مؤكدا ان الثابت الوحيد في "اوسلو" هو الحكم الذاتي للسكان دون الارض مع شطب حق العودة وبقاء المستوطنات والقدس عاصمة ابدية والسيطرة على طول الحدود مع الاردن .
وغني عن القول بان هذا الموقف الاسرائيلي هو ذاته الموقف الامريكي الذي كشفت عنه صحيفة " القدس " في عددها الصادر يوم السبت الماضي 9/9/2017 حينما كتبت على صدر صفحتها الاولى استنادا الى مصادر مطلعة في البيت الابيض ان الادارة الامريكية تبنت وجهة النظر الاسرائيلية ووافقت على شطب حل الدولتين ، واخراجه من التداول نهائيا ، والاستعاضة عنه بورقة مقترحات امريكية تطرح قريبا واقصى ما تعرضه على الفلسطينيين هو " حكم ذاتي كامل " ، اي ترتيبات لحكم اداري ذاتي داخل حدود اسرائيل وتحت سيطرتها مع تسليم اجزاء من مناطق "ج"و"ب" للجانب الفلسطيني ومنحه تسهيلات اقتصادية ملموسة لصرفه عن السياسة ، واعتبار مناطق محيطة بالقدس مثل ابو ديس بديلا عن احتلال القدس الشرقية بكاملها ، بما فيها البلدة القديمة ، والاحياء الفلسطينية حولها ، التي ستبقى بحسب الافكار الامريكية تحت السيادة الاسرائيلية كما يصر نتنياهو .
وهذا يؤكد بما لا يدع مجالا للشك بان ما سمي بصفقة القرن الترامبية ، ما هي الا مجرد صيغة امريكية لاعادة الفلسطينيين الى المفاوضات بآفاق لا يتعدى سقفها تحويل الوضع الفلسطيني الراهن في الاراضي المحتلة الى حقيقة ابدية نهائية ، اي ان الصفقة الموعودة تمخضت فولدت حكما ذاتيا ليكوديا جابوتينسكيا.