حركة التحرير الوطني الفلسطيني - فتح

أي سلام تريده إسرائيل؟

07 يونيو 2017 - 16:59
د. ناجي صادق شراب

بعد سبعين عاما على قيام إسرائيل بدأت تخرج بعض التصورات للسلام الذي تسعى له إسرائيل، والسؤال لماذا الآن؟

قد يرتبط هذا التصور اولا بتطور إسرائيل كدولة من ناحية، وباكتمال المشروع الصهيوني من ناحية اخرى. فإسرائيل عند قيامها ورغم حاجتها الماسة للسلام مع الدول العربية والفلسطينيين إلا أن مشروعها لم يكتمل، لا تريد الاعتراف بالدولة بل تريد الاعتراف بمشروعها، لكنه لا سلام بدون القبول والاعتراف عربيا وفلسطينيا.

مكونات السلام الإسرائيلي تقوم على مرتكزات تنطلق من رؤية إسرائيل لذاتها ولدورها في المنطقة، وترتبط بظروف نشأتها التي تزامنت مع بداية الصراع العربي الإسرائيلي، وبداية نشأة القضية الفلسطينية، وظهور مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. وفي هذا السياق السلام الذي تريده إسرائيل له مستويات متعددة، اولا المستوى الإقليمي العربي، والمستوى الثاني وهو الأساس في اي تصور للسلام المستوى الفلسطيني.

ومنطلقات هذا التصور اولا ان يتم الإعتراف والقبول الكامل بإسرائيل كدولة تنتمي جغرافيا للإقليم، ولا تنتمي حضاريا له، وعلى هذا المستوى شهدت تطورات، وتأرجحت ما بين الحرب والمفاوضات، والرفض والقبول، فعلى المستوى الإقليمي شهدت العلاقات اربعة حروب رئيسية، واكثر من حرب جزئية، والنتيجة الحتمية لهذه الحروب عدم نجاح إسرائيل في تحقيق امنها وبقائها، ومن ابرز تطوراتها عقد معاهدات سلام مع اهم دولتين مجاورتين لإسرائيل وهما مصر والأردن، ولا شك ان هذا هو بداية تحول في النظر لإسرائيل، وإمكانية قبولها كدولة عادية إذا إعترفت بالحقوق الوطنية للفلسطينيين وقيام دولتهم.

ومن مظاهر التطور الإيجابي للسلام على هذا المستوى اولا صدور المبادرة العربية التي تقوم على الإستعداد بقبول إسرائيل كدولة وتطبيع العلاقات معها مقابل حل القضية الفلسطينية، والتحول في مفهوم العدو المشترك، وخصوصا مع بروز الخطر الإيراني، وخطر الحركات الإسلامية المتشددة، وعلى هذا المستوى يمكن القول ان هناك بيئة ناضجة للسلام ، وأن إسرائيل لا شك حققت إنجازا ملموسا ، فمن قمة الخرطوم 1967 بلاءاتها الثلاث لا إعتراف، لا قبول، لا صلح، إلى القبول والاعتراف والصلح.

وهنا تسارع إسرائيل من زمن التحولات التي شهدتها المنطقة وخصوصا بعد ثورة التحولات العربية التي هددت الوجود الوطني للدول العربية وبروز الخطر الإيراني لتقدم نفسها على انها البديل، وانها القادرة على مواجهة هذا الخطر، ومستفيدة من التحولات في بنية القوة الدولية، ووصول إدارة الرئيس ترامب التي تتبنى نفس وجهة النظر الإسرائيلي بخيار السلام الإقليمي الذي يقود لحل القضية الفلسطينية ، وهنا تبرز مبادرات ومقترحات كثيرة منها تشكيل ناتو إقليمي إسرائيل احد ركائزه الأساسية ،ولذا تطالب إسرائيل بالتسريع بخطوات السلام الإقليمي، ومما يساعد على ذلك ما نلحظه من تراجع للقضية الفلسطينية كمكون عربي جمعي، والتغير الإدراكي نحو إسرائيل على مستوى هذا العقل، فبدأنا نقرأ ونلحظ قبولا على كافة المستويات إعلاميا وفكريا ونخبويا.

اما المستوى الثاني للسلام الإسرائيلي المستوى الفلسطيني ، وهو المدخل للمستوى الأول، وبدونه يصعب على اي دولة عربية ان تذهب بعيدا في علاقاتها مع إسرائيل، على هذا المستوى تقوم الرؤية الإسرائيلية على عدد من المنطلقات:

اولا الحقيقة السكانية التي لم تنجح كل سياسات إسرائيل التي تراوحت بين القوة والإعتقال والحصار والحرب على طمس هذه الهوية الوطنية، بل إنها قد فرضت نفسها وبقوة وبشكل كبير سواء داخل إسرائيل،او في الاراضي الفلسطينية المحتلة او في الشتات. ولذلك اول عناصر هذه الرؤية هو كيفية التعامل مع هذا العنصر السكاني، وهنا تصورات كثيرة تتعلق بالحقوق الإقتصادية، وبدرجة من الشراكة في إدارة الاراضي الفلسطينية، وبدرجة من التنسيق الامني، والبحث عن حلول إقليمية كالحل الكونفدرالي مع الأردن ومع إسرائيل في مرحلة متقدمة.

والعنصر الثاني الذي يحكم التصور الإسرائيلي العامل الجغرافي او الحيز المكاني، فإسرائيل لا تعترف بملكية فلسطينية للأرض وتعاملت مع هذا العنصر على انه ملكية مطلقة لها، ولذا قامت بعملية استيطان غير مسبوقة للاراضي الفلسطينية في الضفة الغربية التي تشكل منطقة القلب وسمحت للفلسطينيين التعامل مع الأرض كمعيشة وإدارة شؤون حياتية، وسمحت بوجود سلطة في مفهومها هي سلطة إدارة معيشة وخدمات للسكان، وكأنها سلطة بالوكالة/ مقابل ان تمنح هذه السلطة صلاحيات حكم ذاتي، وتعاملت مع الحيز الجغرافي على أساس عدم القبول بأي شكل من أشكال الدولة أو السلطة السيادية لأن هذه الدولة تتعارض وتناقض فكرة إسرائيل الدولة، بالنسبة لإسرائيل من النهر للبحر دولة واحدة هي إسرائيل كدولة للشعب اليهودي فقط.

ونظرا لأن الفلسطينيين قد نجحوا في انتزاع الاعتراف بدولتهم في الأمم المتحدة كدولة مراقب، فلا تمانع إسرائيل من التعامل مع هذه الدولة كدولة قانون على الورق فأما على أرض الواقع فالحديث عن دولة اقتصادية ، والبديل للتعبير عن هذه الهوية الوطنية بخيارين:

الأول الخيار الإقليمي أي حل الكونفدرالي مع الأردن، والخيار الثاني بتحويل حالة الانقسام إلى كينونة سياسية لها مظاهر الاستقلال في غزة، وهي لا تمانع من تطور كينونة غزة لحالة من الدولة لأنها في جميع الأحوال دولة هشة قزمية ضعيفة يمكن التحكم في كل مداخلها و مخارجها، ومساحتها لا تزيد عن واحد في المائة من مساحة فلسطين الكلية ، ومكتظة بسكانها، وفي سياق هذا التصور جاء انسحاب إسرائيل الأحادي من غزة، والمطلوب فقط أن تتحول غزة إلى سلطة أمنية وظيفية لا تشكل تهديدا لإسرائيل.

وهذا يفسر لنا الحروب الثلاث على غزة لإضعاف قدراتها الردعية، والمقاومة، ما تريده إسرائيل مقاومة وظيفية مقابل السماح بقيام هذا الكينونة السياسية المستقلة حتى لو كانت تحت إدارة حماس.

ويبقى مستوى الشتات أي محاولة التخلص من أي مظاهر لمشكلة اللاجئين تارة بإلغاء وجود وكالة الغوث، وتارة بمحاولات التوطين أو تسهيل ملاذات آمنة للاجئين في الخارج، وتسهيل الحصول على جنسيات أخرى.

هذه هي بعض مكونات التصور الإسرائيلي للسلام في هذا الوقت الذي ترى أنه الأنسب لتحويل هذه الرؤية لواقع ملموس، وفعلا بدأت تظهر بعض ملامح هذه الرؤية .

ويبقى السؤال إلى أي مدى يمكن أن تنجح إسرائيل في تسويق رؤيتها ؟

Link: https://mail.fateh.info/post/141122