حركة التحرير الوطني الفلسطيني - فتح

كشيء لا لزوم له

06 يوليو 2017 - 00:33
عادل الأسطة

«كشيء لا لزوم له» (2004) هو آخر ما أصدره الشاعر أحمد دحبور في حياته قبل أن تصدر أعماله الشعرية الكاملة في رام الله في العام 2017. وأرى أن قصائد الشاعر منذ قصيدته «سؤال شخصي للقدس» من ديوان «هنا.. هناك» أخذت تحفل بالأسئلة كما لم تحفل بها من قبل. ولا أعرف شاعراً، ممن قرأت لهم، تحفل أشعاره بصيغة السؤال كما حفلت بها أشعار أحمد الأخيرة. هل غدا شاعر الأسئلة؟ وهل تركت هذه الصيغة أثراً سلبياً على شاعرية الشاعر؟

لا تهمني الإجابة عن السؤال الأخير بالإيجاب أو بالنفي، قدر ما يهمني قلق الشاعر الذي لم يظهر عليه إلاّ في فترة مرضه الأخيرة. كنت أزوره فيبدو لي شاعراً هادئاً، نتحاور في الأدب والشعر والنقد ولا يثور إلاّ نادراً. وحين قرأت أشعاره الأخيرة غير مرة تساءلت إن كان الظاهر لا يعكس الباطن أبداً.
كان العنوان الذي أطلقه الشاعر على الديوان الذي سبق هذا الديوان هو «جيل الذبيحة». كما لو أنه كان ديوان يرثي جيلاً كاملاً لا الشاعر وحسب، ومن يتابع إهداءات قصائد الشاعر في مجموعاته الأولى يلحظ أنه أهداها لأدباء كانوا على قيد الحياة، خلافاً لأشعاره في المجموعتين الأخيرتين حيث أهدى كثيراً من قصائده للراحلين ممّن عرفهم.
هل كان الشاعر في سنواته ما بعد العام 2000، وربما ما قبل هذا العام بقليل، يشعر أنه «كشيء لا لزوم له»؟ وهل كان تركه غزة عائداً إلى حمص المدينة التي نشأ فيها وفي مخيمها تجسيداً لشعوره العميق بما يقول له مدلول العنوان؟
ما إن حدث ما حدث في العام 2007 في غزة حتى غادرها الشاعر إلى حمص التي ما إن استقر فيها حتى بدأت أحداث سورية، فآثر العودة إلى رام الله ثانية، وكان السؤال الذي يراودني، في أثناء وجود الشاعر في حمص، هو: لماذا لم يستقر أحمد دحبور في رام الله؟
يفتح عنوان المجموعة أفق القارئ على عوالم عديدة، على نصوص أدباء فلسطينيين كثر، وعلى مقولات سياسية رأوا في الشعب الفلسطيني شعباً زائداً، هذا إذا أقرُّوا بوجوده. «لا يوجد شعب اسمه الشعب الفلسطيني» قالت (غولدا مائير) رئيسة الوزراء الإسرائيلية في 50 ق20 مرّة. وأمّا إميل حبيبي الذي تفرّغ لكتابة «المتشائل» (1974) ليرد
 على وزير المعارف الإسرائيلي (ايغال آلون) الذي قال: «لو كان هناك شعب فلسطيني لكان له أدب.»، أما إميل حبيبي فقد كتب في روايته إن حياته التي عاشها في إسرائيل بعد العام 1948 كانت بفضل حمار. لو لم تصب الرصاصة الحمار لقتلت سعيد المتشائل ـ حبيبي.
ثمة رواية لرياض بيدس، وهو كاتب فلسطيني من حيفا، شفا عمرو، إن لم أخطئ عنوانها «الهامشي»، ولعلها تجسد واقع الفلسطينيين في فلسطين، حيث عوملوا مواطنين من الدرجة الثالثة. لقد عاشوا على هامش الحياة، وما زالوا، ويكفي أن تقرأ كتاب «أن تكون عربياً في إسرائيل» لتتأكد من هذا.
«كشيء لا لزوم له» يذكر بسؤال درويش في «أحد عشر كوكباً»: «من أنا بعد ليل الغريبة؟»: «كنت أمشي إلى الذات في الآخرين، وها أنذا/ أخسر الذات والآخرين. حصاني على ساحل الأطلسي اختفى/ وحصاني على ساحل المتوسط يُعدّ رمح الصليبي فيّ».
في رواية مؤنس الرزاز «اعترافات كاتم صوت» التي يأتي فيها على تجربة أبيه مع حزب البعث يقص عن الإقامة الجبرية التي فرضها الرفاق على الرفيق: ها هو المسدس. إن لم ترق لك الحياة فأطلق النار على رأسك.
وفي إحدى روايات (غابرييل غارسيا ماركيز) لا يجد الكولونيل وقد تقاعد من يكاتبه. هكذا قد يغدو المرء، في فترة ما من عمره، «كشيء لا لزوم له».
لماذا اختار أحمد دحبور عنوان القصيدة هذه عنواناً للديوان؟ ولماذا أدرجها أولاً؟ لماذا قدمها على غيرها؟ هل كان الشعور بأنه «كشيء لا لزوم له» يلازمه؟
حسرة الشاعر الأولى، بعد عودته إثر اتفاق أوسلو، كانت في أنه زار حيفا ولم يعد إليها، ومع عدم تحقيق حلم الدولة على «الجزء المتاح لنا من الوطن» ازدادت الخيبة وكبرت، ومع الانقسام الفلسطيني ـ الفلسطيني ترك ما تبقى لنا من وطن وعاد إلى المنفى. هل هذا هو ما جعله يشعر بأنه «كشيء لا لزوم له»؟
«فهل نوديت أم ناديت؟/ وهل أُقصيتْ؟/ أهذا كل ما في البيت؟/ كشيء لا لزوم له/ سهت عني الرواية، فانحذفتُ من الفصول وليس لي دور،/ ملايين الجنادب ما لها دور/ ملايين الكواكب في مدارات السديم وكلهن غياب/ فهل أنا كوكب متغرب،/ أم جندب متطلب،/ الآخرون سحاب؟».
وأنا أقرأ القصيدة توقفت أمام نهايتها. كتب أحمد دحبور عن مئات الكتب وربما راوده شعور ما بأن على الآخرين أن ينصفوه كما أنصفهم. ربما. ينهي الشاعر قصيدته بقوله: «هل كان يكفي أنني حاولت؟/ لكن الغريب أنا/ وقد أخرجت من وقتي/ ومن يدري إذا ما كان ينصفني الذي يأتي/ ولكن لن أكون هنا».

 
Link: https://mail.fateh.info/post/139145