حركة التحرير الوطني الفلسطيني - فتح

عن الإضراب عن الطعام.. التغذية القسرية والقانون الدولي

11 مايو 2017 - 07:25
د. لينا الطبال

الإضراب عن الطعام هو وسيلة احتجاج غير عنفية يتم اللجوء اليها بهدف الاحتجاج ضد ظلم ما أو التنديد علنا بحالة تعسفية أوخرق لحق من حقوق الإنسان. المضربين عن الطعام هم المتحدثون بإسم كل أولئك الذين يعانون من الظلم ومن خرق حقوقهم.
ليس الإضراب عن الطعام حديثاً على تاريخ الإنسانية, في القرن السادس عشر خاض مئات الاشخاص من الشعوب الأصلية إضرابأ عن الطعام في أميركا الجنوبية إحتجاجأ على إستعبادهم. قبل الحرب العالمية الأولى لجأ الإتحاد الاجتماعي والسياسي للمرأة (المقترعات), في بريطانيا, الى الإضراب عن الطعام احتجاجا على منع حق التصويت للمرأة, وعام 1920 إستمر إضراب الجيش الجمهوري الإرلندي عن الطعام في سجن كورك في إرلندا قرابة 94 يوما, ولا ننسى المهاتما غاندي الذي خاض العديد من الإضرابات عن الطعام في الهند ضد الاستعمار البريطاني. ويعتبر الاسير الفلسطيني سامر العيساوي صاحب أطول فترة إضراب عن الطعام ( بعد محمد صلاح سلطان)استمر ل 2277 يوماً في عام 2013.
من الصعب جدا الحديث عن الإضراب عن الطعام دون ان نأتي على ذكر اضراب معتقليّ الحزب الجمهوري الإرلندي عام 1981 من أجل الحصول على حقهم في المعاملة كممعتقلين سياسيين في سجون بريطانيا, إلا ان مارغريت تاتشر رئيسة الحكومة آنذاك تركتهم ينفقون الواحد تلو الآخر على رئسهم بوبي ساندز, ومنذ اليوم الأول لإضراب الكرامة دعا افيغدور ليبرمان الحكومة الاسرائيلية أن تحذو حذو م.تاتشر وجعل مصير مروان البرغوتي كمصير ب.ساندز.
منذ العام 1968 إستعمل الفلسطينون الإضراب عن الطعام كسلاح مقاومة في وجه الاحتلال الاسرائيلي, وسجل هذا التاريخ إضراب معتقليّ سجن نابلس الذي دام فترة ثلاثة أيام.
ويعتبر اضراب الحرية والكرامة الذي دعا اليه مروان البرغوتي الأسرى في 17 نيسان هو الإضراب عن الطعام رقم 27 في سجون ومعتقلات العدو الإسرائيلي, إن استعمال الجسد للإحتجاج على المعاملات التعسفية والمهينة هو برأيي أسمى أنواع المقاومة, مما يعرض الأسير لمخاطر جسدية ونفسية أدت في بعض الأحيان إلى استشهاد عام 1970 عبد القادر أبو الفحم خلال إضراب سجن عسقلان, وعام 1980 أستشهد راسم حلاوة وعلي الجعفري خلال إضراب سجن نفحة, وعام استشهد 1984 محمود فريتخ على أثر إضراب سجن جنيد, والشهيد حسين نمر عبيدات والذي استشهد عام 1992 في إضراب سجن عسقلان.
نحو 1700 معتقل فلسطيني من مختلف الفصائل الفلسطينية وفي كافة السجون الاسرائيلية, لبوا نداء مروان البرغوتي للإضراب عن الطعام بهدف الحصول على أدنى حقوقهم منها إنهاء العزل الإنفرادي, إنهاء الاعتقال الإداري, تركيب تلفون عمومي للأسرى الفلسطينيين, منع إعتقال الأطفال, ومجموعة من المطالب التي تتعلق في زيارات ذويهم، وعدد من المطالب الخاصة في علاجهم.
في الجهة المواجهة لإضراب الأسرى تلجأ سلطات الاحتلال الاسرائيلي الى شتى الوسائل التعسفية والمهينة بالكرامة الإنسانية, من عزل المعتقلين انفراديا في زنازين ضيقة ومعتمة, الى نقلهم من سجن الى آخر,الى تفتيشهم وتهويلهم بالكلاب الى تناقل الإشاعات بهدف احباط عزيمتهم وأخيرا تريد اللجوء الى التغذية القسرية.
فما هي التغذية القسرية؟
هي تغذية الأسير بالقوة رغما عنه عبر ربط الشخص الى طاولة العمليات و تمرير انبوب من فتحة انفه الى معدته وارسال القليل من الغذاء بواسطة هذا الانبوب الى المعدة. لكن هذه التقنية تعتبر نوع من أنواع التعذيب, وهي وسيلة مؤلمة ما ينتج عنها نزيف في الانف او في المعدة, والخطير في الأمر أنها ممكن أن تؤدي الى الموت.
فقد يحصل خطأ و بدل من ادخال الانبوب الى المعدة قد يخطئ طريقه ويدخل في القصبة الهوائية مما قد يؤدي الى ذبحة القلبية تنتج عن تباطؤ في ضربات القلب بسبب الإنسداد المعوي التمددي.
التغذية القسرية في القانون الدولي
ان القانون الدولي لحقوق الانسان قد عارض هذه الطريقة اذ يرى بها نوع من انواع سلب كرامة الانسان وعدم الرضوخ لإرادته الحرة المتمثلة بحقه بالإضراب عن الطعام, عدا على انها تعتبر نوع من انواع التعذيب والمعاملة المهينة واللانسانية.
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966, ينص في المادة 10 الفقرة 1: “يعامل جميع المحرومين من حريتهم معاملة انسانية تحترم الكرامة الاصلية في الشخص الانساني”.
يمكننا أن نلاحظ أسس احترام الحقوق الاساسية للمعتقل الذي تتعدى ظروف احتجازه, كونه انسان وجب احترامه سواء كان معتقلا او حرا طليقا.
أما العهد الدولي العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966 ينص في المادة 12 فقرة 1:” تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه”.
وهنا تأكيد احترام شخص الانسان وتمتعه بحقوقه وهذا يطبق على الانسان الحر أو المعتقل. موقف الجمعية الطبية العالمية (WMA) هو واضح في هذا الاتجاه إذ انها توجبالسلطات معامة المضربين وفقا للمعايير الأخلاقية المنصوص عليها في قانون حقوق الانسان والقانون الدولي الانساني وذلك
طيلة فترة الإضراب عن الطعام .
إعلان طوكيو (1975 الذي جرى مراجعته مرتين عاميّ 2005 و2006) تنص المادة 6 منه على عدم جواز التعرض لحق الاضراب عن الطعام عبرالتغذية القسرية إذا ما اختار السجين الإضراب عن الطعام وإذا كان قراره ناتج عن قرار واع وإرادة سليمة. إعلان مالطا (1991) الصادر عن الجمعية الطبية العالمية فإنه ينص على مبدأ احترام ارادة المضرب عن الطعام, وينص التوجيه السابع منه ان التغذية القسرية هي نوع من انواع التعذيب والمعاملة اللانسانية المهينة.
وعلاوة على ذلك تعتبرالإتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان( 1950) التغذية القسرية نوع من انواع التعذيب ,فتنص في المادة 3: “لا يجوز اخضاع أي انسان للتعذيب ولا للمعاملة او العقوبة المهينة للكرامة”.
وتطبق المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان هذه المادة الثالثة, ففي اجتهاد حديث لها تؤكد منع الدولة التعرض لحق المعتقتل وتغذيته قسريا, شرط ان يكون المعتقل بكامل قوته العقلية وادراكه في استمرار اضرابه عن الطعام, وتوجب المحكمة سلطات المعتقل العناية بلأسرى المضربين عن الطعام في سجونها وتقديم لهم كافة الخدمات الصحية والطبية اللازمة. يذهب مجلس اوروبا في نفس الاتجاه فيعارض مبدأ التغذية القسرية و يؤكد على الحفاظ على حق الأسرى في الإضراب وعدم انتهاك كرامتهم الإنسانية. فيما يعتبر ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية والمعتمد في روما في 17 تموز 1998 في المادة الثامنة منه البند 2 “التعذيب أو المعاملة اللانسانية” بمثابة جريمة حرب, ويعتبر البند 3 من نفس المادة ” تعمد إحداث معاناة شديدة أو إلحاق أذى خطير بالجسم أو بالصحة” جريمة حرب.
الصليب الاحمر الدولي أي القانون الدولي الانساني
خلال كل مدة الاضراب عن الطعام ينحصر دور اللجنة الدولية للصليب الاحمر كمؤسسة إنسانية بعدة مهام منها التأكد أن معاملة المعتقلين المضربين عن الطعام وظروف اعتقالهم يتوافق و كرامتهم الإنسانية ولا يخالف المعايير الدولية الإنسانية.
على اللجنة الدولية للصليب الاحمر ضمانة حماية المعتقلين عن الطعام وتطبيق نصوص القانون الدولي الانساني, ولا سيما إتفاقيات جنيف الاربعة للعام 1949 لذلك يجب ان تسمح السلطات الإسرائيلية لإطباء الصليب الأحمر الدولي أن يتواصلوا بشكل مستمر مع المعتقلين.
لا يحق للجنة الدولية للصليب الاحمر التدخل بالاضراب عن الطعام او إعطاء رأيها بهذا الإضراب اذ ينحصر دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر كوسيط بين سلطات السجن وبين المعتقلين المضربين.
خلال فترة الإضراب عن الطعام يجب على اللجنة تقييم الحالة الصحية للمضربين عن الطعام والتأكد ان رفضهم تناول الطعام أو رفضهم التغذية القسرية ومواصلتهم للإضراب هو طوعي نابع من إرادتهم الحرة.
على اللجنة الدولية للصليب الاحمر احترام إرادة المعتقلين المضربين عن الطعام بمواصلة إضرابهم, وهي تعارض أي شكل من اشكال التغذية القسرية لكسر إضرابهم مما يمس كرامتهم الإنسانية.
القانون الإسرائيلي
ليس غريبا على اسرائيل اللجوء اليوم الى عدة وسائل بهدف إحباط إضراب الأسرى عن الطعام, ولا سيما اللجوء الى التغذية القسرية كوسيلة لكسر صود الاسرى أمام العالم.
ففور إعلان مروان البرغوثي ونحو 1700 أسير إضرابهم عن الطعام أمر وزير الأمن اللإسرائيلي إقامة مستشفى ميداني بالقرب من سجن كتسيعوت في صحراء النقب, وهناك سيتم إرسال كافة الأسرى المتعبين وسيجرى تغذيتهم بالقوة.
طالما ابتكرت اسرائيل شتى انواع التعذيب بحق المعتقلين الفلسطينيين ومعروف عنها إستعمال التعذيب بواسطة الاطباء, وقد لجأت السلطات الاسرائيلية الى استخدام التغذية القسرية للمعتقلين خلال الأعوام 1970 و1980, وأثناء إضراب طعام سجن نفحة في شهر تموز 1980, فإستشهد كل من راسم حلاوة وعلي الجعفري على أثر التغذية القسرية, بعد ذلك قضت محكمة العليا اللإسرائيلية منع هذا الإجراء بحق المعتقلين الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية. إلا ان الكنيسيت عاد وصادق على قانون التغذية القسرية في 30 تموز 2015 شريطة أن يعمد طاقم من الإطباء بتغذية الأسير.
المشكلة التي تصادف سلطات الاعتقال اليوم ان نقابة الاطباء في اسرائيل تعارض استعمال هذه الوسيلة معتبره اياها شكل من أشكال التعذيب, وإزاء عدم تعاون الاطباء هذا ستعمد اسرائيل الى جلب أطباء من خارج البلاد لا تهمهم آداب المهنه, فيتم تجنيدهم لفترة وغاية معينة يقومون بمهتهم وبرحلون.
لا تقادم على جريمة الحرب
يؤثر الإضراب عن الطعام لفترات طويلة على الصحة البدنية والعقلية للأسرى, إضافة الى فقدان الوزن والصداع، والدوخة، وصعوبة الوقوف والاتزان والمشي والقلق والارق وصعوبة التركيز, وآلأم البطن والمعدة والمغص و الفشل الكلوي و نقص السكر في الدم وانخفاض ضغط و الاضطرابات العصبية والتشنجات وانخفاض بالسكر وبضغط الدم, كما من الممكن أن يؤدي الى العمى، والغيبوبة,والاستمرار بالإضراب يوصل الى السكتة الدماغية وتوقف القلب والوفاة.
هذا بعض ما يعاني منه 1700 فلسطيني بعد 3 أسابيع من الاضراب عن الطعام, واسرائيل مستمرة في تعنتها قبول مطالبهم المحقة. إلا اننا نؤمن بقضية اسرانا ونؤمن بانتصارهم.
كل يوم تقام نشاطات تضامن في فلسطين وعلى مستوى العالم أجمع وترفع صور مروان البرغوثي ورفاقه الأسرى: كريم يونس, أحمد سعدات, عباس السيد, وجدي جودة وزيد بسيسي وغيرهم من الأبطال.
وأكثر من أي يوم مضي تقف لاهاي وجنيف شاهدتان على جرائم حرب ترتكبها دولة بحق شعب, وتحدثنا محاكم الجزاء الخاصة, من نورنبرغ الى روندا و يوغوسلافيا السابقة وسيراليون الى محكمة الجزاء الدولية عن تطبيق نصوص القانون الدولي على مجرمي الحروب و مرتكبي الجرائم ضد الانسانية. فلا تقادم ولا مرور الزمن يسريان على هذه الجرائم.

Link: https://mail.fateh.info/post/137614