فتقدك يا صديقي.
لا تُشغِلني البلاغة في التعبير عندما يكون الحزن شديد اللهجة، في لحظات عجزت خلالها الروح عن صياغة المشاعر، وأبلغ ما أملك مِن قول لك هو أنني: "أفتقدك كثيراً يا صديقي"
جاءني الخبر وهز القلب والكيان لحظة قالوا: "صديقك مات"
على الرغم مِن أنَّ الموت حق على كل إنسان، إلاَّ أنه الأقسى والأصعب والأفجع على النفس، وخاصةً عندما يكون الفقيد "سمير فريد"
فقدانك جعلني أحاول وبصعوبة إستيعاب ما علمتني الحياة، صعوبة الإستسلام للمكتوب وللقضاء والقدر، مات صديقي وسيموت غيره الكثيرون وسنموت نحن عن قريب أو بعيد، ولكن فقدانك جعلنا نتجرع الموت من خلال غيابك يا سمير يا فريد.
قالوا: "مات صديقك" ، وأعلم أنَّ الموت هو الحقيقة الوحيدة في هذه الدنيا، وغداً سيُدفن كل هذا الجمال تحت التراب، يا إلهي، أيُعقل هذا...؟ هل يُعقل أنَّ الموت المكتوب على جبيننا جميعاً لم يمهلك لكي تواصل حضورك الضروري لنا وبيننا...
كم تمنيتُ أن يكون لي وطنٌ يشبه الأوطان ويحتوي على مطار يطير بي إلى القاهرة لنظرة وداع قبل تحريك التراب، وقبل وفاة الأوان، الوطن يا صديقي الذي صنعناه سينمائياً بأحلامنا وأنفاسك ودعمك ومساندتك، عجز اليوم عن أن يمنحني لحظة وداعك، كم تمنيتُ أن تطلقني بندقية ثائر فلسطيني من رام الله إلى عتمة مثواك الأخير، ولكنَّ بَنادِقنا يا صديقي موجهة صَوبَ الإتجاه المعاكس لإشتياقي وللوداع ولأحلام أوطاننا.
يا صديقي...
في غيابكَ تتشابه الأيام وتتوحد، رافضة مراعاة الطقوس التقليدية للعزاء والرثاء، لا فرق بين اليوم الأول والثالث والخميس والأربعين، تجتمع الساعات وتعلن أنه لا موعد جديد بيننا لنناقش صوتنا وصورتنا على شاشة سينمائية تعرضنا للعالم كعرب ومصريين وفلسطينيين وسينمائيين، لا مائدة جديدة في مقهى قديم لأجلسَ أمامك أو بجوارك كطفل مجتهد يُدَوِّنُ ما تقوله على قصاصة الورق الملون بشعارات وأسماء المقاهي لكي أعيد كتابة حوار في سيناريو جديد أو إعادة مونتاج مشهد ما في فيلم وليد... لا رصيف وخُطَى وصمت لأدَوِّنَ في ذهني النظرة والبسمة ولحظات التأمل التي كنتَ قادراً على قراءتها وتحليلها وتوظيفها، كما كان حال اللقاء الأخير الذي سبق الرحيل بأيام...
لا لَـيلَ لِـنَسهرَ في محافل السينما العربية والعالمية ونعود من عتمة قاعات العرض إلى ضوء المعرفة والحوار عن كل ما هو جديد ومفيد ومختلف وسينمائي، عن كل ما هو يشبهك بمعرفتك وتجددك وإختلافك...
علمتنا أن نحكي حكاياتنا وأن نكون أنفسنا، وأن نصغي لأصوات قلوبنا، وأن يكون الولاء للسينما أولاً وأخيراً.
كنتَ ومازلتَ شريكَ الطرح ورَفيق الدرب والسيرة والمسيرة، و الأبلغ مِن كاتب والأكبر مِن ناقد، والأهم مِن مؤرخ، والأبعد مِن سينمائي حالم، لأنك الصديق في زمن عز فيه صدق الصداقة وندر فيه الوفاء.
سنفتقدك يا صديقي رغم بقائك فينا، وسنواصل بعضاً من عطائك عبر بعضٍ من إلهامك عن الحياة والحرية والحق والإنسانية والسينما.
لروحك الطاهرة السلام، ولنا الصبر والسلوان.